قبل أن تنوّع استثماراتك.. احسب أولًا مخاطر راتبك

عندما يبدأ الشخص حياته الاستثمارية، غالبًا ما تكون أولويته واضحة: جمع المدخرات، اختيار الأصول المناسبة، ثم توزيع الأموال بطريقة تقلل الاعتماد على استثمار واحد.
ومع انتشار تطبيقات التداول، أصبح من السهل متابعة كل شيء تقريبًا؛ قيمة الأسهم، أداء الصناديق، الأرباح والخسائر، وحتى نسبة الانكشاف على كل قطاع.
لكن هناك جزءًا أساسيًا من الصورة المالية لا يظهر في أي من هذه القوائم.
إنه الدخل الذي يتوقع المستثمر الحصول عليه خلال سنوات عمله المقبلة.
فالشاب الذي يبلغ 25 عامًا، على سبيل المثال، قد يمتلك عشرات الآلاف من الريالات في حسابه الاستثماري، بينما تمتد أمامه أربعة عقود أو أكثر من العمل وتوليد الدخل. ومن الناحية الاقتصادية، تمثل هذه السنوات أصلًا له قيمة كبيرة، حتى وإن لم تكن قابلة للبيع أو التداول مثل الأسهم والسندات.
وهنا تبدأ المفارقة: قد يعتقد المستثمر أنه نجح في تنويع محفظته، بينما تكون مصادر ثروته المختلفة معرضة للعامل الاقتصادي نفسه.
لنفترض أن مهندسًا يعمل في شركة تقنية. يحصل على راتب منتظم، ومكافآت مرتبطة بأداء الشركة، وربما أسهم ضمن حزمة تعويضاته. وفي الوقت نفسه، يفضل استثمار مدخراته في شركات التكنولوجيا لأنه يعرف القطاع جيدًا ويتابع تطوراته باستمرار.
على الورق، تبدو لديه مصادر متعددة للثروة: راتب، مكافآت، أسهم من جهة العمل، صندوق استثماري، واستثمارات مباشرة.
لكن عند النظر إلى الصورة من زاوية اقتصادية أوسع، قد تكون هذه المصادر مرتبطة جميعًا بالعامل نفسه.
فإذا تعرض قطاع التكنولوجيا لصدمة كبيرة، فقد تتراجع قيمة الأسهم التي يمتلكها، وتنخفض قيمة أسهم شركته، وتتقلص المكافآت، وربما تصبح فرص الحصول على وظيفة جديدة أو زيادة الراتب أقل جاذبية.
وهنا تظهر مشكلة لا يستطيع تطبيق التداول إظهارها: الارتباط بين مصدر الدخل والاستثمارات المالية.
يطلق الاقتصاديون على القيمة الاقتصادية للدخل المتوقع أن يحصل عليه الشخص طوال سنوات عمله مصطلح رأس المال البشري.
وبمعنى مبسط، فإن مهاراتك وخبرتك وقدرتك على الحصول على دخل مستقبلي تمثل أصلًا اقتصاديًا مهمًا، حتى لو لم يكن بالإمكان وضعه في حساب استثماري أو بيعه في السوق.
فالشخص الذي يبلغ 25 عامًا، ويحصل مثلًا على 180 ألف ريال سنويًا، ويتوقع استمرار دخله لعقود مع نمو حقيقي محدود، قد تكون القيمة الحالية النظرية لمداخيله المستقبلية أكبر بكثير من الأموال الموجودة حاليًا في محفظته الاستثمارية.
وبالطبع، هذه الحسابات تعتمد بصورة كبيرة على الافتراضات المتعلقة بالدخل والنمو ومعدل الخصم، كما أنها لا تعكس بالضرورة مخاطر البطالة أو تغيير المهنة أو فترات انقطاع العمل والضرائب.
لكنها تقدم فكرة مهمة للغاية:
قد يقضي المستثمر ساعات في إدارة محفظة تبلغ قيمتها 100 ألف ريال، بينما يتجاهل أصلًا اقتصاديًا قد تبلغ قيمته عدة ملايين، وهو قدرته على توليد الدخل خلال العقود المقبلة.
لذلك فإن السؤال الأهم ليس فقط: “ما الأسهم التي أملكها؟”، بل أيضًا: “ما طبيعة المخاطر المرتبطة بالدخل الذي أعتمد عليه؟”
ليست كل الوظائف متساوية عندما يتعلق الأمر بالمخاطر المالية.
فموظف يتمتع بدخل مستقر نسبيًا، ولا يتأثر عمله بصورة مباشرة بحركة أسواق الأسهم، يمكن النظر إلى دخله المستقبلي، من منظور مبسط، باعتباره أقرب إلى أصل مستقر يشبه السند طويل الأجل.
في المقابل، قد يكون مؤسس شركة ناشئة في وضع مختلف تمامًا. فثروته ودخله المستقبلي مرتبطان بدرجة كبيرة بنجاح مشروع واحد، ما يجعل رأس ماله البشري أكثر شبهاً باستثمار عالي المخاطر ومركز في أصل واحد.
أما الموظف الذي يحصل على جزء من تعويضاته في صورة أسهم في الشركة التي يعمل لديها، فيقع في منطقة وسطى، لأن أداء الشركة يؤثر في الوقت نفسه على جزء من دخله وعلى قيمة بعض أصوله.
لهذا السبب، لا يكفي أن نعرف عمر المستثمر لتحديد قدرته على تحمل المخاطر.
الأهم هو فهم العلاقة بين الدخل المستقبلي والثروة الحالية ومصدر المخاطر الذي يجمع بينهما.

في عالم الاستثمار، تستخدم “بيتا” للتعبير عن مدى حساسية أحد الأصول لتحركات السوق.
وقد استخدمت الدراسات الاقتصادية مفاهيم مرتبطة بـ”بيتا رأس المال البشري” لمحاولة قياس مدى تعرض دخل الأفراد للصدمات الاقتصادية والسوقية.
لكن لا ينبغي التعامل مع دخل الإنسان كما لو كان سهمًا يمكن وضعه بسهولة في معادلة واحدة.
فالراتب قد يبقى ثابتًا لفترة طويلة، ثم يتعرض لانخفاض حاد أو ينقطع بالكامل عند فقدان الوظيفة. كما أن العلاقة بين الاقتصاد والوظيفة تختلف بشدة من مهنة إلى أخرى.
السؤال الأكثر أهمية هنا هو: ماذا يحدث لدخلك عندما تسوء ظروف السوق؟
إذا كان تراجع أسهم التكنولوجيا، على سبيل المثال، يعني في الوقت نفسه انخفاض قيمة أسهم الشركة التي تعمل لديها، وتراجع المكافآت، وتقليص فرص التوظيف في القطاع، فإن ثروتك المالية ودخلك المستقبلي قد يتعرضان للضغط في اللحظة نفسها.
وهذا هو الخطر الذي قد لا يظهر في جدول توزيع الأصول داخل تطبيق الاستثمار.
من أكثر المفاهيم التي قد تربك المستثمرين الجدد الاعتقاد بأن زيادة عدد الأسهم تعني بالضرورة انخفاض المخاطر.
قد يمتلك شخص 20 شركة مختلفة، لكنه إذا كانت معظمها تعمل في قطاع البرمجيات أو الرقائق الإلكترونية أو الحوسبة السحابية، فإن محفظته لا تزال معرضة بدرجة كبيرة للعوامل الاقتصادية نفسها.
قد يكون قد خفف خطر انهيار شركة بعينها، لكنه لم يتخلص بالضرورة من مخاطر القطاع أو أسعار الفائدة أو تراجع شهية المستثمرين تجاه أسهم النمو.
وتصبح المشكلة أكبر إذا كان المستثمر يعمل في القطاع نفسه.
في هذه الحالة، يمكن أن تتأثر وظيفته وراتبه ومكافآته وأسهم شركته واستثماراته الشخصية بالصدمة الاقتصادية ذاتها.
وهنا تظهر قاعدة مهمة في إدارة المخاطر:
تنويع عدد الأصول لا يساوي بالضرورة تنويع مصادر الخطر.
الدراسات تضع الفكرة تحت الاختبار
لم تبقَ هذه الفكرة مجرد تمرين نظري في الاقتصاد.
فقد تناولت دراسة منشورة في “جورنال أوف فايننشال إيكونوميكس” عام 2024 العلاقة بين مخاطر الدخل وقرارات الاستثمار، مستفيدة من فروق في القبول الجامعي في الدنمارك لمقارنة أشخاص متشابهين انتهوا إلى تخصصات تختلف في مستوى مخاطر الدخل المرتبطة بها.
وأشارت نتائج الدراسة إلى أن زيادة المخاطر المرتبطة بالدخل المستقبلي ارتبطت بانخفاض الميل إلى الاستثمار في الأسهم، إذ تراجع احتمال المشاركة في السوق في الحالة التي درسها الباحثان من نحو 28% إلى 21.5%.
وفي السويد، توصلت دراسة أخرى إلى أن العاملين الذين يرتبط دخلهم بدرجة أكبر بأداء الأسواق يميلون إلى الاحتفاظ بنسبة أقل من الأسهم.
وكان هذا الارتباط أكثر وضوحًا لدى الأشخاص الذين يمثل رأس مالهم البشري جزءًا كبيرًا من إجمالي ثروتهم.
ولا تعني هذه النتائج وجود تركيبة استثمارية واحدة تصلح للجميع، لكنها تشير إلى أن قرارات الاستثمار لا يمكن فصلها تمامًا عن طبيعة الوظيفة والدخل المستقبلي.
هذه الفكرة تكتسب أهمية إضافية مع دخول المستثمرين الشباب إلى الأسواق في سن مبكرة.
فوفق مسح أجرته هيئة تنظيم القطاع المالي في الولايات المتحدة بالتعاون مع معهد “سي إف إيه”، أفاد نحو ربع المستثمرين الأمريكيين من الجيل “زد” بأنهم بدأوا الاستثمار قبل بلوغ سن 18 عامًا.
ومع دخول المستثمر إلى السوق في وقت مبكر، يصبح أمامه أفق زمني طويل لبناء ثروته، لكنه في الوقت نفسه يمتلك أصلًا مهمًا للغاية لا يظهر في تطبيقات التداول: سنوات طويلة من القدرة على العمل وتحقيق الدخل.
تطبيق الاستثمار يستطيع أن يخبره بقيمة أسهمه، ونسبة توزيع محفظته، وأرباحه وخسائره.
لكنه لا يعرض عادةً إلى جوار هذه البيانات مدى ارتباط راتبه الحالي والمستقبلي بالاستثمارات التي يملكها.
لا تعني هذه الفكرة أن موظف التكنولوجيا يجب أن يتجنب أسهم التكنولوجيا، أو أن الطبيب ينبغي أن يستثمر في قطاعات لا يفهمها، كما لا توجد قاعدة ثابتة تحدد النسبة المناسبة من الأسهم لكل مهنة.
الهدف ليس الوصول إلى معادلة سحرية، وإنما توسيع طريقة التفكير في المخاطر.
فبدلًا من النظر إلى المحفظة الاستثمارية باعتبارها مجموعة الأسهم والصناديق الموجودة في الحساب، يمكن النظر إلى الثروة باعتبارها مزيجًا من الأصول المالية ورأس المال البشري.
وعندها يتغير السؤال.
ليس فقط: كم سهمًا أمتلك؟
بل: كم مصدرًا مختلفًا للمخاطر أمتلك؟
وليس فقط: كيف أوزع مدخراتي؟
بل أيضًا: ما مدى ارتباط مستقبلي المهني بما أستثمر فيه اليوم؟
فربما يكون أكبر أصل مالي تمتلكه في بداية حياتك المهنية ليس الذهب، ولا الأسهم، ولا حتى الأموال الموجودة في حسابك الاستثماري.
إنه قدرتك على العمل وتحقيق الدخل لسنوات طويلة قادمة.




