سوق سوداء للشيكات بدون رصيد تنمو على هامش صعوبة تحصيل الديون

تزايدت تداعيات أزمة الشيكات غير المؤداة في المغرب، بعدما تحولت صعوبة استرجاع قيمتها إلى فرصة لظهور نشاط مواز يقوم على شراء الشيكات المتعثرة وملاحقة أصحابها من أجل تحصيل مستحقاتها.
ويستفيد هذا النشاط من رغبة عدد من الدائنين في تفادي مساطر قضائية قد تكون طويلة ومكلفة، مقابل التنازل عن جزء من قيمة الشيك.
وبحسب معطيات أوردتها جريدة الصباح، فقد نشأت شبكات من الوسطاء المتخصصين في تتبع مصدري الشيكات بدون رصيد، حيث يعرض هؤلاء خدماتهم على حاملي الشيكات مقابل عمولات تختلف حسب قيمة المبالغ وطبيعة كل ملف، مع تولي مهمة التواصل مع المدينين والتفاوض معهم بشأن تسوية مستحقاتهم.
وتشير المعطيات ذاتها إلى أن بعض كبار التجار أصبحوا يلجؤون إلى هذه الوساطة من أجل الوصول إلى أصحاب الشيكات المتعثرة، خصوصاً عندما تواجه محاولات التحصيل العادية صعوبات، إذ يتم فتح قنوات للتفاوض بهدف استرجاع قيمة الشيك كاملة أو جزء منها، مع إمكانية اللجوء إلى المساطر القانونية في حال فشل التسوية.
وفي بعض الحالات، تأخذ عملية التحصيل منحى أكثر ضغطاً، من خلال مطالبة مصدر الشيك بتسوية وضعيته تحت طائلة المتابعة القانونية، فيما تحدثت المصادر عن حالات يتم فيها اقتياد بعض الأشخاص إلى مفوضيات الأمن في إطار الضغط عليهم من أجل الأداء.
وتدفع صعوبة تحصيل المستحقات عدداً من حاملي الشيكات إلى قبول مبلغ أقل من القيمة الأصلية للشيك، تفادياً للدخول في مسار قضائي قد يتطلب وقتاً وتكاليف إضافية مرتبطة بالمحامين والإجراءات.
وقد يصل الفارق بين القيمة الأصلية للشيك والمبلغ الذي يقبل به حامله إلى 30 في المائة أو أكثر، ما جعل هذه الأوراق المتعثرة محط اهتمام أشخاص يتخصصون في تحصيل الديون، حيث يعمدون إلى اقتنائها بمبالغ تقل عن قيمتها الاسمية، ثم يتولون مهمة متابعة أصحابها بهدف استرجاع المبلغ المستحق.
ويستند بعض المتدخلين في هذا النشاط إلى خبرة في التفاوض مع المدينين وتتبعهم، بينما قد تتحول عملية الضغط، في بعض الحالات، إلى التلويح بالمتابعة القضائية والعقوبات التي يمكن أن تترتب عن إصدار شيك بدون رصيد.
ولا تقتصر عمليات التحصيل على المطالبة بالأداء الفوري، إذ يتم في عدد من الحالات التوصل إلى اتفاقات تسمح للمدين بأداء المبلغ على أقساط شهرية إلى حين تسوية القيمة الإجمالية للشيك.
ويتم تحديد قيمة الأقساط والمدة الزمنية للأداء بناءً على الاتفاق بين الطرفين، بما يسمح بتمديد فترة السداد عند الحاجة، مقابل استمرار المدين في الوفاء بالتزاماته إلى حين إغلاق الملف.
وتشكل هذه التسويات بالنسبة لبعض حاملي الشيكات بديلاً عن انتظار مسار قضائي قد يستغرق وقتاً، فيما توفر لمصدري الشيكات إمكانية معالجة وضعيتهم المالية تدريجياً.
وتكشف المعطيات المرتبطة بالشيكات غير المؤداة عن حجم كبير من الأموال العالقة في هذا النوع من المعاملات.
ووفق أحدث الأرقام المنسوبة إلى بنك المغرب، بلغ عدد الشيكات بدون رصيد حوالي 560 ألف شيك، بقيمة إجمالية تجاوزت 16.6 مليار درهم، أي ما يعادل 1660 مليار سنتيم.
كما توصلت مصلحة مركزة عوارض الأداء خلال السنة الماضية إلى 462 ألفاً و617 إشعاراً يتعلق بشيكات بدون رصيد، بمعدل شهري يقارب 43 ألف إشعار.
وتأتي هذه الأرقام في سياق ارتفاع المنازعات المرتبطة بالشيكات غير المؤداة، بعدما سجلت القضايا المحالة على مختلف المحاكم الزجرية بسبب إصدار شيكات بدون رصيد نمواً خلال السنوات الأخيرة.
ويربط مصدر هذا الارتفاع بتوسع قاعدة زبناء المؤسسات البنكية، وما رافق ذلك من تسهيلات في منح دفاتر الشيكات، الأمر الذي ساهم، وفق هذا الطرح، في ارتفاع عدد حالات إصدار شيكات يتعذر صرفها بسبب عدم توفر المؤونة الكافية.
وفي المقابل، يعتمد القطاع البنكي على منظومة لتجميع ومعالجة المعلومات المتعلقة بعوارض الأداء، حيث فوض بنك المغرب تدبير المعطيات الخاصة بالشيكات غير القانونية إلى شركة متخصصة، تتولى جمع المعلومات وتوفير البيانات الضرورية للبنوك والمقاولات حول الجهات التي توجد في وضعية مرتبطة بشيكات غير قابلة للصرف.
غير أن طول إجراءات التحصيل وتكاليف التقاضي يدفعان بعض حاملي الشيكات إلى البحث عن حلول خارج المسار القضائي، وهو ما ساهم في بروز سوق موازية تتولى شراء الشيكات المتعثرة ثم محاولة تحصيل قيمتها من أصحابها.
وبينما يوفر هذا النشاط لبعض الدائنين منفذاً سريعاً لاسترجاع جزء من أموالهم، فإنه يثير في المقابل تساؤلات بشأن الأساليب المعتمدة في عمليات التحصيل، خصوصاً عندما تتجاوز حدود التفاوض والتسوية القانونية، ما يجعل ظاهرة المتاجرة بالشيكات بدون رصيد ملفاً يتقاطع فيه الجانب المالي مع الإشكالات القانونية المرتبطة بتحصيل الديون.




