حين يصبح الشراء وسيلة للهروب من القلق.. الوجه النفسي للإنفاق

:لم يعد القلق بشأن المستقبل ينعكس فقط على الحالة النفسية للأفراد، بل بدأ يظهر أيضاً في الطريقة التي يتعاملون بها مع أموالهم.
فمع ارتفاع تكاليف المعيشة وتزايد المخاوف المرتبطة بالوظائف والاقتصاد والاستقرار المالي، يتجه بعض المستهلكين إلى إنفاق أموالهم على الفور، وكأن الاستمتاع بالحاضر أصبح وسيلة لتخفيف وطأة مستقبل يبدو غير مضمون.
وقد يبدو هذا السلوك للوهلة الأولى مجرد رغبة في شراء شيء جديد أو الاستمتاع بتجربة معينة، لكنه في بعض الحالات يكون مرتبطاً بحالة نفسية أعمق. إذ يتحول الإنفاق من وسيلة لتلبية الاحتياجات إلى آلية للتعامل مع التوتر، حيث يمنح الشراء شعوراً سريعاً بالراحة أو المكافأة، حتى لو كان مؤقتاً.
ويُعرف هذا النمط باسم «الإنفاق تحت تأثير القلق»، وهو سلوك يكشف كيف يمكن للمشاعر والظروف الاقتصادية المحيطة أن تتداخل مع القرارات المالية اليومية.
يقوم هذا السلوك على فكرة بسيطة: إذا كان المستقبل غير واضح، فقد يفضل البعض الحصول على المتعة الآن بدلاً من تأجيلها إلى وقت لاحق.
ومع تراكم الضغوط المرتبطة بتكاليف السكن والديون وارتفاع الأسعار ومستقبل سوق العمل، قد تتراجع لدى بعض الأفراد الرغبة في الادخار طويل الأجل، لتحل محلها نزعة نحو الإنفاق الفوري.
وتشير نتائج استطلاع أجرته شركة «كوالتريكس» لصالح «كريديت كارما» في أكتوبر 2024 إلى أن نحو 27% من الأمريكيين المشاركين أقروا بممارسة هذا النوع من الإنفاق، بينما كانت النسبة أعلى بين الأجيال الشابة، إذ بلغت 39% لدى جيل الألفية و37% لدى جيل «زد».
وتتزامن هذه الظاهرة مع تحديات مالية تواجهها هذه الفئات، من بينها ارتفاع تكاليف السكن وتراكم الديون الطلابية وتأثير التضخم في تكاليف الحياة اليومية.
وبحسب البيانات الواردة في المادة، ارتفعت الأسعار بأكثر من 22% بين يناير 2021 ويناير 2025، ما جعل تكوين مدخرات مستقرة تحدياً أكبر بالنسبة إلى بعض المستهلكين.
وفي الوقت نفسه، قد يؤدي اللجوء إلى بطاقات الائتمان لتمويل هذا الإنفاق إلى إضافة عبء جديد. فقد بلغت أرصدة ديون بطاقات الائتمان في الولايات المتحدة نحو 1.25 تريليون دولار خلال الربع الأول من عام 2026، وفق البيانات المشار إليها.
لا يمكن تفسير هذا السلوك بعامل اقتصادي واحد، إذ تتداخل فيه المشاعر الشخصية مع الضغوط الاجتماعية والظروف المالية.
عندما يصبح المستقبل مصدر قلق مستمراً، قد يبحث الفرد عن شيء يمكنه التحكم فيه في الوقت الحالي. وهنا قد يظهر الإنفاق كأحد الخيارات المتاحة للحصول على شعور سريع بالراحة.
وتشير الجمعية الأمريكية لعلم النفس، وفق ما ورد في المادة، إلى عدد من مصادر القلق التي تؤثر في الأفراد، ومنها الانقسامات الاجتماعية والعزلة ونقص الدعم العاطفي وانتشار المعلومات المضللة، إضافة إلى المخاوف المتعلقة بتأثير الذكاء الاصطناعي على الوظائف والمستقبل المهني.
كما أظهرت دراسة صادرة عن «معهد التقاعد الوطني» أن بعض أفراد جيل «زد» يتجهون إلى زيادة الإنفاق على الأنشطة الترفيهية في ظل تشاؤمهم بشأن تحقيق الاستقرار المالي أو الوصول إلى التقاعد مستقبلاً، ما يعزز التركيز على الحاضر.
لا يمنح الادخار مكافأة فورية؛ إذ ترتبط فائدته بهدف قد يتحقق بعد أشهر أو سنوات. أما الشراء، فيمنح المستهلك نتيجة مباشرة يمكن أن تحسن مزاجه في اللحظة نفسها.
ولهذا، قد يصبح التسوق وسيلة للهروب المؤقت من المشاعر السلبية، خصوصاً عندما يشعر الفرد بالضغط أو الإحباط أو عدم اليقين.

ومع تكرار التجربة، يمكن أن يتحول الشراء إلى رد فعل تلقائي على التوتر، بدلاً من أن يكون قراراً قائماً على الحاجة أو القدرة المالية.
تلعب المنصات الرقمية دوراً إضافياً في تشكيل السلوك الاستهلاكي، إذ يتعرض المستخدم بصورة مستمرة لمحتوى يعرض أنماط حياة ومنتجات وتجارب مختلفة.
وقد تدفع المقارنة المستمرة مع الآخرين بعض الأشخاص إلى محاولة مجاراة ما يرونه على شاشاتهم، سواء من خلال شراء منتجات رائجة أو السفر أو المشاركة في تجارب استهلاكية معينة.
وفي ظل انتشار عبارات تشجع على الاستمتاع بالحياة وعدم تأجيلها، يمكن أن يتحول الإنفاق إلى وسيلة للشعور بالاندماج مع المحيط الاجتماعي، خصوصاً عندما يكون المستقبل مصدر قلق.
تكمن المشكلة في أن الشعور الإيجابي الناتج عن الشراء قد لا يستمر طويلاً، بينما يمكن أن تبقى تبعات القرار المالي لفترة أطول.
عندما تتكرر المشتريات غير المخطط لها، يصبح من الصعب الحفاظ على التوازن بين الدخل والمصروفات.
وقد يؤدي ذلك إلى تقليص الأموال المخصصة للإيجار أو القروض أو الاحتياجات الأساسية، أو إلى تأجيل الادخار المخصص للطوارئ والتقاعد.
قد تجعل بطاقات الائتمان عملية الشراء أكثر سهولة، لكنها في الوقت نفسه تسمح بتأجيل تكلفة القرار.
ومع تكرار عمليات الشراء وعدم سداد الأرصدة بالكامل، تتراكم الفوائد وتزداد قيمة الدين، ما يجعل الوضع المالي أكثر تعقيداً.
وتشير المادة إلى أن معدلات الفائدة على بطاقات الائتمان قد تتجاوز 21% في المتوسط، وهو ما يزيد تكلفة الديون بمرور الوقت.
كل مبلغ ينفق بشكل اندفاعي هو مبلغ لم يعد متاحاً لهدف مالي آخر.
وبالتالي، قد تتراجع الأموال المخصصة لصندوق الطوارئ أو شراء منزل أو الاستثمار أو التقاعد، ما يضعف قدرة الفرد على بناء شبكة أمان مالية للمستقبل.
قد يبدأ الإنفاق بهدف التخلص من القلق، لكنه قد ينتهي إلى إنتاج مصدر جديد له.
فبعد انتهاء متعة الشراء، قد تظهر المخاوف المتعلقة بالفاتورة أو الديون أو انخفاض رصيد الحساب المصرفي، وهو ما يعيد الشعور بالضغط.
وهكذا قد تتكون دائرة متكررة تبدأ بالقلق وتنتهي بقلق جديد: توتر، ثم شراء، ثم ضغوط مالية، ثم شعور بالندم والقلق، ثم البحث مجدداً عن الراحة من خلال الإنفاق.
كيف يمكن السيطرة على الإنفاق العاطفي؟
التعامل مع هذا السلوك لا يعني بالضرورة التوقف عن الإنفاق أو حرمان النفس من المتعة، وإنما يتعلق بإيجاد مسافة بين الشعور اللحظي والقرار المالي.
ميزانية تحدد الأولويات
يمكن للميزانية الشهرية أن توفر إطاراً واضحاً لتوزيع الدخل بين الاحتياجات والرغبات والادخار وسداد الديون.

ومن بين الأساليب المستخدمة قاعدة 50/30/20، التي تقسم الدخل إلى 50% للاحتياجات الأساسية، و30% للرغبات، و20% للادخار وسداد الديون.
كما يمكن تحويل جزء من الدخل تلقائياً إلى حساب ادخار بمجرد وصول الراتب، لتقليل احتمال إنفاقه بصورة عفوية.
من المهم ملاحظة الظروف التي تسبق الرغبة في الشراء.
هل يأتي القرار بعد يوم مرهق؟ هل يرتبط باستخدام وسائل التواصل؟ هل يظهر في أوقات محددة؟ وهل يكون الشراء بهدف الحاجة فعلاً أم لتحسين المزاج؟
الإجابة عن هذه الأسئلة قد تساعد على اكتشاف المحفزات التي تقف وراء الإنفاق غير المخطط له.
يمكن تقليل الاندفاع من خلال جعل عملية الشراء أقل سرعة.
فإزالة بيانات بطاقات الائتمان المحفوظة، أو إلغاء خيارات الدفع الفوري، أو اعتماد فترة انتظار قبل شراء المنتجات غير الضرورية، كلها خطوات تمنح المستهلك وقتاً إضافياً لإعادة تقييم القرار.
عندما يصبح الإنفاق خارج نطاق السيطرة ويؤثر في الوضع المالي أو الحياة اليومية، يمكن طلب مساعدة متخصصة.
فالمستشار المالي يستطيع المساعدة في تنظيم الميزانية وإدارة الديون، بينما يمكن للمتخصص النفسي التعامل مع الجوانب العاطفية المرتبطة بالسلوك.
كما توجد مقاربات تجمع بين الجانبين المالي والنفسي، من بينها العلاج المالي السلوكي، الذي يركز على العلاقة بين المشاعر والسلوك والقرارات المالية.
لا تقع مسؤولية التعامل مع هذه الظاهرة على الأفراد وحدهم، إذ تستطيع المؤسسات المالية أيضاً تقديم أدوات تساعد العملاء على فهم سلوكهم المالي.
وتوفر بعض الخدمات المصرفية الرقمية إمكانات لتصنيف المصروفات وتتبع الإنفاق، إلى جانب أدوات لتشجيع الادخار وإدارة التدفقات النقدية.
كما يمكن لبعض الحسابات المصرفية عبر الإنترنت توفير عوائد تنافسية على المدخرات وإلغاء بعض الرسوم وتسهيل الوصول إلى الأموال، بما يساعد على تنظيم الموارد المالية بصورة أفضل.
تكشف ظاهرة «الإنفاق تحت تأثير القلق» عن حقيقة مهمة في عالم المال الشخصي: القرارات المالية لا تُتخذ دائماً بناءً على الحسابات وحدها.
فالمخاوف بشأن المستقبل، وضغوط الحياة اليومية، والرغبة في الحصول على مكافأة فورية، وتأثير المحيط الاجتماعي، يمكن أن تتداخل جميعها في لحظة اتخاذ قرار الشراء.
وقد يمنح الإنفاق شعوراً سريعاً بالراحة، لكنه قد يتحول إلى مشكلة عندما يصبح وسيلة متكررة للهروب من القلق، خصوصاً إذا كان على حساب المدخرات أو ممولاً بالديون.
لذلك، لا تكمن القضية في مقدار ما ينفقه الفرد فقط، وإنما في الدافع الذي يقف خلف عملية الإنفاق.
فالشراء لتلبية حاجة محددة يختلف عن الشراء للهروب من شعور مؤقت، والوعي بهذا الفرق قد يكون الخطوة الأولى نحو علاقة أكثر توازناً مع المال، بحيث يصبح الإنفاق جزءاً من خطة مالية واعية، وليس استجابة تلقائية للخوف من المستقبل.




