الاقتصادية

جيل زد يبتعد عن الراتب الواحد.. وتعدد مصادر الدخل يصبح خياراً استراتيجياً

في الوقت الذي تتسع فيه فجوة عدم اليقين داخل سوق العمل الأميركي، يتجه عدد متزايد من العاملين إلى استراتيجية لم تكن تحظى بهذا القدر من الاهتمام من قبل: عدم الاعتماد على وظيفة واحدة.

فبدلاً من انتظار راتب شهري واحد لتغطية الإيجار والفواتير والاحتياجات اليومية، أصبح بعض العاملين يجمعون بين وظائف متعددة، أو يضيفون إليها أعمالاً حرة ومشاريع مؤقتة، في محاولة لبناء هامش مالي يحميهم من ارتفاع تكاليف المعيشة ومن التقلبات المفاجئة في سوق العمل.

ويُعرف هذا الاتجاه بـ«تكديس الدخل»، وهو نموذج يقوم على توزيع مصادر الإيرادات الشخصية بدلاً من تركها مرتبطة بوظيفة واحدة.

وتجسد تيمكا غومليون هذه الظاهرة؛ إذ تعمل في وظيفتين بالتوازي مع دراستها لهندسة الحاسوب في جامعة مقاطعة كولومبيا. فهي تعمل مضيفة في أحد أماكن الفعاليات، كما تشغل وظيفة استقبال في المركز الطلابي.

بالنسبة إلى غومليون، لا يتعلق العمل في وظيفتين بالطموح إلى الثراء بقدر ما يرتبط بالحاجة إلى توفير مساحة مالية أكبر.

فارتفاع تكاليف الحياة يجعل الراتب الواحد أقل قدرة على تغطية الاحتياجات والادخار في الوقت نفسه، ولذلك ترى أن الدخل الإضافي يوفر لها خياراً مهماً: إما تخصيصه للمصاريف، أو الاحتفاظ به كمدخرات.

وتعتقد غومليون أن هذا النمط قد يستمر حتى بعد حصولها على وظيفة مرتبطة بتخصصها، لأن امتلاك مصدر مالي إضافي يمنحها قدراً أكبر من المرونة في إدارة نفقاتها.

وهي ليست حالة منفردة، إذ يعمل ملايين الأميركيين في أكثر من وظيفة، سواء عبر الجمع بين وظيفة رئيسية وعمل جانبي، أو من خلال عدة وظائف بدوام جزئي، أو عبر العمل الحر.

Gen Z Has No Choice But To Diversify Income Streams

تشير بيانات مكتب إحصاءات العمل الأميركي إلى عودة ظاهرة تعدد الوظائف إلى مستويات أعلى بعد الانخفاض الكبير الذي شهدته خلال جائحة كوفيد-19.

وبلغ عدد الأشخاص الذين كانوا يعملون في أكثر من وظيفة نحو 8.4 مليون شخص في أبريل الماضي، أي ما يقارب 5.2% من إجمالي القوى العاملة الأميركية.

ويرى أندرو غارين، الأستاذ المساعد للاقتصاد في كلية هاينز بجامعة كارنيغي ميلون، أن مقارنة الوضع الحالي بفترة ما قبل الجائحة ضرورية لفهم الصورة بشكل أفضل.

فقد أدت الجائحة إلى انخفاض حاد في عدد العاملين بأكثر من وظيفة، ما يجعل جزءاً من الزيادة الحالية انعكاساً لاستعادة نمط كان موجوداً في الأصل.

لكن الظروف الاقتصادية الجديدة تضيف عاملاً آخر، يتمثل في رغبة بعض العاملين في امتلاك مصادر دخل بديلة تحسباً لأي اضطرابات مستقبلية.

لم تعد الوظيفة الإضافية بحاجة إلى مكتب ثانٍ أو جدول عمل تقليدي.

فانتشار المنصات الرقمية جعل من الممكن تحويل عدد كبير من المهارات إلى مصادر دخل مرنة.

وأصبح بإمكان الأفراد العمل في خدمات التوصيل والنقل، أو تنفيذ مهام صغيرة، أو تقديم خدمات مهنية عبر الإنترنت، أو العمل في مجالات التصميم والبرمجة والتسويق وصناعة المحتوى.

Pay raises plateau: Companies hold steady on salary budgets for 2026 |  Fortune

ويشير غارين إلى أن التكنولوجيا أسهمت في ظهور فرص عمل جانبية جديدة على نطاق لم يكن متاحاً في السابق.

فالشخص يستطيع اختيار عدد الساعات التي يعمل فيها، أو قبول المشاريع التي تناسب مهاراته، أو تقديم خدماته لعملاء في مناطق مختلفة دون الارتباط بوظيفة تقليدية ثانية.

وهكذا، تحولت التكنولوجيا إلى أحد المحركات الأساسية لنمو اقتصاد العمل الجانبي.

رغم أن زيادة الدخل تمثل السبب الأوضح وراء تعدد الوظائف، فإن بعض الشباب يرون في العمل الجانبي وسيلة لبناء مستقبل مهني أيضاً.

آيدن هو، البالغ من العمر 19 عاماً، يعمل في ثلاثة مشاريع مرتبطة بتقنيات الصوت والصورة والبث، بالتوازي مع دراسته علوم الحاسوب في كلية مجتمع شمال فيرجينيا.

ويقول إن هذه الأعمال تساعده في تمويل دراسته، لكنها في الوقت نفسه تمنحه فرصة لاكتساب مهارات تقنية عملية لا توفرها الدراسة وحدها.

ومن خلال التعامل مع برامج وأجهزة مختلفة، يستطيع تطوير خبرته قبل دخوله سوق العمل بدوام كامل.

وهذا يجعل الوظيفة الجانبية بالنسبة إلى بعض الشباب بمثابة مختبر مهني أكثر منها مجرد مصدر للمال.

وتكشف توجهات جيل زد عن تحول واضح في مفهوم الاستقرار المالي.

وبحسب استطلاع أجرته «Fiverr» في 2025، يرى 64% من أفراد جيل زد في الولايات المتحدة أن تعدد مصادر الدخل ضروري لتحقيق الأمان المالي.

كما يعتقد 55% منهم أن الوظائف التقليدية قد تصبح أقل جدوى في المستقبل، بينما قال 39% إنهم يعملون بالفعل بشكل مستقل أو يخططون لدخول مجال العمل الحر كمصدر دخل إضافي.

وشمل الاستطلاع 5,001 من أفراد جيل زد و2,000 من جيل ألفا في الولايات المتحدة، ونُفذ بالتعاون مع مؤسسة «سينساس وايد».

وتعكس هذه الأرقام تحولاً في طريقة التفكير: بدلاً من البحث عن شركة واحدة توفر الاستقرار لسنوات طويلة، أصبح بعض الشباب ينظرون إلى تنويع مصادر الدخل باعتباره وسيلة للتحوط ضد المخاطر.

ولا تأتي هذه المخاوف من ارتفاع تكاليف المعيشة فقط.

فالتوسع السريع في استخدام الذكاء الاصطناعي داخل الشركات يضيف طبقة جديدة من عدم اليقين بشأن مستقبل العديد من الوظائف.

ومع إعادة هيكلة بعض المؤسسات وتقليص الوظائف في قطاعات مختلفة، بدأ بعض العاملين يتعاملون مع مصدر الدخل الثاني باعتباره نوعاً من التأمين الشخصي ضد فقدان الوظيفة.

ويرى بول وولف، الرئيس السابق للموارد البشرية ومؤلف كتاب «البشر أولاً»، أن انتشار ظاهرة تكديس الدخل يعكس حالة الاضطراب التي مر بها سوق العمل خلال السنوات الأخيرة.

وبالنسبة للعامل، قد يكون امتلاك مصدر دخل آخر وسيلة لتقليل الصدمة في حال تعرض دخله الرئيسي للخطر.

لكن الظاهرة لا تخلو من تعقيدات بالنسبة للشركات.

فأصحاب العمل قد يخشون من أن تؤثر الوظائف الإضافية على أداء الموظف أو ساعات عمله، أو أن تؤدي إلى تضارب في المصالح، خصوصاً إذا كان النشاط الجانبي مرتبطاً بمنافس مباشر.

وفي المقابل، يمكن للشركات الاستفادة من المهارات التي يطورها الموظف خارج وظيفته الأساسية، خاصة إذا كانت تلك الخبرات تنعكس على أدائه داخل المؤسسة.

ولهذا يدعو وولف إلى سياسة أكثر وضوحاً بدلاً من المنع المطلق، تقوم على الإفصاح عن الأعمال الجانبية ومناقشة أي تعارض محتمل مسبقاً.

فالشفافية بين الطرفين قد تكون أفضل من دفع الموظفين إلى إخفاء مصادر دخلهم الإضافية.

بالنسبة إلى آيدن هو، لا يتناقض العمل في مجال الصوت والصورة مع مستقبله الوظيفي.

فقد حصل على منحة دراسية ستقوده بعد التخرج إلى وظيفة بدوام كامل في وزارة الدفاع الأميركية، لكنه يخطط لمواصلة مشاريعه في المجال التقني.

والسبب أن كل مشروع جديد يضيف إلى رصيده المهني مهارة مختلفة، سواء في التعامل مع البرامج أو الأجهزة أو تقنيات الإنتاج والبث.

وبذلك، يصبح تعدد مصادر العمل وسيلة لبناء مسار مهني أكثر تنوعاً، بدلاً من الاقتصار على وظيفة واحدة وتخصص واحد.

من غير المرجح أن تختفي الوظيفة التقليدية لمجرد انتشار «تكديس الدخل»، لكن المؤشرات الحالية تظهر أن مفهوم الأمان الوظيفي يتغير.

فبالنسبة إلى البعض، تعدد الوظائف ضرورة لمواجهة التضخم والنفقات. وبالنسبة إلى آخرين، هو فرصة لاكتساب الخبرة أو تمويل الدراسة أو اختبار مشروع جديد قبل التفرغ له.

لكن وراء هذه المرونة ثمناً قد يكون مرتفعاً، إذ يمكن أن يؤدي الجمع بين عدة وظائف إلى زيادة الضغط النفسي والجسدي، وتقليص وقت الراحة والحياة الشخصية، وجعل العامل في حالة عمل شبه مستمرة.

لذلك، فإن مستقبل «تكديس الدخل» قد لا يتعلق فقط بعدد الوظائف التي يستطيع الشخص جمعها، بل بقدرته على تحقيق معادلة أكثر صعوبة: زيادة مصادر الدخل من دون تحويل حياته إلى سلسلة متواصلة من ساعات العمل.

وبينما كان الأمان المهني يُقاس في الماضي بالاستقرار داخل وظيفة واحدة، يبدو أن بعض العاملين بدأوا يقيسونه بمعيار مختلف: تنويع الدخل، وتوسيع المهارات، والاحتفاظ دائماً بخيار بديل عندما يتغير سوق العمل.

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى