اقتصاد المغربالأخبار

المغرب يحقق طفرة اقتصادية لافتة ويواجه تحدي تحويل النمو إلى مكاسب اجتماعية

في وقت تتسارع فيه التحولات الاقتصادية العالمية وتتزايد حالة عدم اليقين، يواصل المغرب تعزيز موقعه كإحدى أبرز الوجهات الاستثمارية الصاعدة، مستندا إلى استقرار اقتصادي لافت، ودينامية قوية في قطاعات الصناعة والبنيات التحتية، غير أن هذا المسار ما يزال يواجه تحديات مرتبطة بخلق فرص الشغل وتحسين الظروف الاجتماعية، وفق تقرير حديث صادر عن مجموعة “كريدي أغريكول” الفرنسية.

وأوضح التقرير، الذي حمل عنوان “المغرب: مقومات القيادة الاقتصادية والاستقرار في عالم يتسم بعدم اليقين”، أن المملكة دخلت مرحلة جديدة من التحول الاقتصادي، تقوم على تنويع قاعدة الإنتاج، وتسريع التصنيع، وتعزيز جاذبية الاستثمار، مستفيدة من موقعها الاستراتيجي كجسر اقتصادي بين أوروبا وإفريقيا.

وأكد المصدر ذاته أن الاقتصاد المغربي أظهر قدرة كبيرة على الصمود، حيث سجل الناتج الداخلي الخام نموا يناهز 4.6% سنة 2025، مع توقع استمرار هذه الدينامية خلال سنة 2026 بتحقيق معدل نمو يقارب 4.1%، مدفوعا أساسا بارتفاع الاستثمارات العمومية والخاصة وتوسع الأنشطة الصناعية والخدماتية.

وأشار التقرير إلى أن المجهود الاستثماري بالمغرب بلغ مستويات غير مسبوقة، بعدما وصلت نسبة الاستثمار إلى حوالي 35% من الناتج الداخلي الخام مع بداية سنة 2026، وهو مستوى يعكس تأثير الإصلاحات المرتبطة بـ ميثاق الاستثمار الجديد لسنة 2022، فضلا عن المشاريع الكبرى المرتبطة بالاستعداد لتنظيم كأس الأمم الإفريقية 2025 وكأس العالم 2030.

وأضاف التقرير أن هذه الأوراش تساهم في تعزيز مكانة المغرب كمركز إقليمي للصناعة واللوجستيك، خاصة مع تطور بنياته التحتية وتوسع قدراته في مجالات النقل والطاقة والصناعة التصديرية.

وعلى مستوى التحول الصناعي، أبرز التقرير انتقال الاقتصاد المغربي تدريجيا نحو قطاعات ذات قيمة مضافة أعلى، حيث سجلت صناعة الإلكترونيات نموا بنسبة 10.5%، وصناعة السيارات 8.51%، والقطاع الكيماوي 8.16%، مقابل أداء محدود لقطاع النسيج الذي لم يتجاوز نموه 0.5%، في حين تراجع النشاط الفلاحي بنسبة 0.5% بفعل استمرار آثار الجفاف.

وفي المقابل، واصل قطاع الخدمات لعب دور محوري داخل الاقتصاد الوطني، إذ يمثل حوالي 56% من الناتج الداخلي الخام، مدعوما بالانتعاش القوي للسياحة التي سجلت نموا بنسبة 12%، بفضل ارتفاع أعداد الزوار وتعزيز جاذبية المغرب كوجهة سياحية دولية.

وبخصوص المؤشرات المالية، نوه التقرير باستقرار الاقتصاد الكلي للمملكة، بفضل السيطرة على التضخم الذي استقر عند حدود 0.7%، والحفاظ على سعر الفائدة الرئيسي لبنك المغرب في مستوى 2.25%، إضافة إلى ارتفاع المداخيل الضريبية نتيجة الإصلاحات الرقمية وتطوير آليات التحصيل.

واعتبر التقرير أن هذه المؤشرات تمنح المغرب هامشا أكبر لمواصلة تقليص المديونية العمومية، مع إمكانية بلوغ مستوى يقارب 60% من الناتج الداخلي الخام في أفق 2035، فضلا عن تعزيز فرص استعادة تصنيف استثماري قوي لدى وكالات التصنيف الدولية، بما فيها ستاندارد آند بورز.

غير أن التقرير أشار في المقابل إلى استمرار فجوة بين قوة الأداء الاقتصادي والمؤشرات الاجتماعية، خصوصا في مجال التشغيل، حيث بلغ معدل البطالة الوطني حوالي 13% سنة 2025، مع ارتفاعه بشكل أكبر لدى الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة إلى 37.5%، ولدى النساء إلى 20.5%، بالتزامن مع تراجع معدل النشاط الاقتصادي إلى حدود 44%.

وأوضح المصدر أن ضعف مساهمة المقاولات الصغيرة والمتوسطة وصعوبة حصولها على التمويل يشكلان أحد أبرز العوامل التي تحد من قدرة الاقتصاد على خلق فرص شغل كافية، مشيرا إلى أن الحكومة تراهن على مخطط التشغيل 2030 من أجل خفض معدل البطالة إلى حوالي 9%.

كما سجل التقرير أن تسارع وتيرة الاستثمارات الكبرى أدى إلى ارتفاع الطلب على المعدات والتجهيزات، وهو ما انعكس على المبادلات الخارجية من خلال زيادة واردات سلع الاستثمار بنسبة 11.6% سنويا، وساهم في اتساع عجز الحساب الجاري إلى نحو 2.5% من الناتج الداخلي الخام سنة 2025.

ورغم هذه الضغوط، أكد التقرير أن الوضع الخارجي للمغرب يظل متماسكا بفضل تنوع مصادر الدعم المالي، خاصة تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر التي تمثل حوالي 1.8% من الناتج الداخلي الخام، وتحويلات مغاربة العالم التي بلغت مستوى قياسيا يقارب 14 مليار دولار، إلى جانب احتياطات مهمة من العملة الصعبة تقدر بحوالي 48 مليار دولار.

وخلص التقرير إلى أن الرهان الأساسي أمام المغرب خلال المرحلة المقبلة يتمثل في تحويل المكتسبات الاقتصادية إلى أثر اجتماعي أوسع، عبر تقليص الفوارق بين الجهات، ودعم المقاولات الصغرى والمتوسطة، وتسريع خلق وظائف مستقرة تستجيب لتطلعات الشباب.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى