الفيدرالي الأمريكي يواجه اختبار شتنبر وسط تضخم مرتفع وضغوط لخفض الفائدة

تتجه أنظار الأسواق العالمية إلى واشنطن، حيث يترقب المستثمرون مخرجات الاجتماع الجديد لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، في وقت تواجه فيه السياسة النقدية معادلة دقيقة تجمع بين استمرار الضغوط التضخمية وارتفاع تكاليف الطاقة وعوائد السندات، مقابل مطالب سياسية متزايدة بخفض أسعار الفائدة.
ويعقد مسؤولو البنك المركزي اجتماعهم يومي 15 و16 سبتمبر، في محطة تكتسب أهمية خاصة بالنسبة للأسواق، بعدما تغيرت توقعاتها بشكل لافت خلال الأسابيع الماضية، من ترقب مسار أكثر تيسيرًا للسياسة النقدية إلى الاستعداد لاحتمال رفع أسعار الفائدة للمرة الأولى منذ عام 2023.
ويأتي الاجتماع في ظل انتقال قيادة الاحتياطي الفيدرالي من جيروم باول إلى كيفن وارش، الذي تبنى منذ توليه المنصب نهجًا أكثر تحفظًا في تقديم إشارات مسبقة بشأن القرارات المقبلة، مؤكدًا أهمية ترك السياسة النقدية رهينة لتطورات البيانات الاقتصادية بدل توجيه توقعات المستثمرين بشكل مباشر.
كان الاحتياطي الفيدرالي قد أبقى أسعار الفائدة دون تغيير خلال الاجتماعات الخمسة الأولى من العام، غير أن اجتماع يوليو كشف عن تباين متزايد داخل اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة.
فقد صوت ثلاثة أعضاء ضد قرار تثبيت الفائدة، مطالبين بزيادة قدرها 25 نقطة أساس، في خطوة عكست تنامي القلق داخل البنك المركزي بشأن استمرار التضخم فوق المستوى المستهدف البالغ 2%.
ومع اقتراب اجتماع سبتمبر، اتجهت الأسواق إلى تسعير احتمال مرتفع لرفع الفائدة ربع نقطة مئوية، الأمر الذي سيضع النطاق المستهدف لسعر الفائدة عند 3.75% إلى 4%.
من أبرز ملامح المرحلة الجديدة في الاحتياطي الفيدرالي محاولة تقليص الاعتماد على ما يعرف بالتوجيه المستقبلي، وهو النهج الذي استخدمه البنك المركزي خلال السنوات الماضية لإعطاء الأسواق إشارات حول المسار المحتمل لأسعار الفائدة.
وظهر توجه وارش بوضوح خلال كلمته في منتدى جاكسون هول خلال أغسطس، عندما حذر مما وصفه بـ”قاعة المرايا”، في إشارة إلى حالة التفاعل المتبادل بين توقعات المستثمرين وإشارات البنك المركزي.
ويرى وارش أن اعتماد الأسواق بشكل مفرط على توقع قرارات الفيدرالي قد يؤدي إلى تشويه عملية تسعير الأصول، كما قد يجعل السياسة النقدية أكثر تأثرًا بتحركات الأسواق بدلًا من الاستناد بصورة أساسية إلى البيانات الاقتصادية.
ولهذا السبب، يراقب المستثمرون تصريحات رئيس الاحتياطي الفيدرالي عقب اجتماع سبتمبر، بحثًا عن أي مؤشرات بشأن المسار المحتمل لأسعار الفائدة خلال الاجتماعات المقبلة.
قبل صدور القرار، تجاوزت احتمالات رفع الفائدة في تسعير الأسواق مستوى 90%، بينما أظهر استطلاع أجرته “رويترز” أن غالبية الاقتصاديين يتوقعون زيادة في سبتمبر، مع إمكانية تنفيذ رفع إضافي في وقت لاحق.
وتزامنت هذه التوقعات مع ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية، إذ اقترب عائد السندات لأجل 10 سنوات من مستوى 5%، في وقت تجاوزت فيه عوائد بعض آجال الاستحقاق الأطول هذا المستوى.
كما ساهم ارتفاع أسعار النفط في زيادة المخاوف المتعلقة بمسار التضخم، خصوصًا أن استمرار تكاليف الطاقة عند مستويات مرتفعة يمكن أن يحد من قدرة البنك المركزي على التحول نحو سياسة نقدية أكثر مرونة.
تلعب البيانات الاقتصادية الأخيرة دورًا محوريًا في إعادة تشكيل توقعات الأسواق بشأن قرارات الاحتياطي الفيدرالي.
وأظهرت البيانات إضافة الاقتصاد الأمريكي نحو 162 ألف وظيفة خلال أغسطس، مقارنة بتوقعات كانت تدور حول 53 ألف وظيفة، وهو ما وفر مؤشرًا على استمرار متانة سوق العمل.
في المقابل، ارتفع التضخم الأساسي على أساس شهري إلى 0.3%، متجاوزًا التوقعات البالغة 0.2%، وسط ضغوط مرتبطة بارتفاع أسعار البنزين.
وتضع هذه المؤشرات البنك المركزي أمام معادلة صعبة، إذ إن استمرار التضخم فوق هدف 2% يتطلب الحذر بشأن تخفيف السياسة النقدية، بينما قد يؤدي تشديد إضافي إلى زيادة تكاليف التمويل على الأسر والشركات.
على الجانب الآخر، يواصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الضغط باتجاه خفض أسعار الفائدة، معتبرًا أن الاقتصاد الأمريكي يمكن أن يستفيد من تكاليف اقتراض أقل.
ودعا ترامب مرارًا إلى الوصول بأسعار الفائدة إلى مستويات منخفضة للغاية، بل تحدث عن ضرورة أن تكون الولايات المتحدة صاحبة “أدنى مستوى فائدة في العالم”.
كما انتقد عددًا من أعضاء مجلس الاحتياطي الفيدرالي، متهمًا إياهم باتباع “أجندة سياسية”، في وقت أكد فيه أن وارش سيتخذ القرار الذي يراه مناسبًا بشأن السياسة النقدية.
وتضيف هذه التصريحات بُعدًا سياسيًا إلى اجتماع سبتمبر، في وقت يفترض أن يستند قرار البنك المركزي إلى تقييم تطورات التضخم والتوظيف والنمو والاستقرار المالي.
جدول اجتماعات الاحتياطي الفيدرالي في 2026
| موعد الاجتماع | القرار أو التوقعات |
|---|---|
| 27–28 يناير | تثبيت الفائدة |
| 17–18 مارس | تثبيت الفائدة، مع توقعات بإمكانية خفض واحد خلال العام |
| 28–29 أبريل | تثبيت الفائدة |
| 16–17 يونيو | تثبيت الفائدة، مع استبعاد خفضها واحتمال رفعها |
| 28–29 يوليو | تثبيت الفائدة |
| 15–16 سبتمبر | الأسواق تتوقع رفع الفائدة 25 نقطة أساس، مع صدور التوقعات الاقتصادية للجنة |
| 27–28 أكتوبر | القرار لم يصدر بعد |
| 8–9 ديسمبر | القرار لم يصدر بعد، مع صدور توقعات اقتصادية جديدة |
الأنظار تتجه إلى ما بعد قرار سبتمبر
لن يكون قرار الفائدة وحده محور اهتمام المستثمرين، إذ قد تكون الإشارات التي يقدمها الاحتياطي الفيدرالي بشأن الاجتماعات المقبلة أكثر أهمية في تحديد اتجاه الأسواق.
وفي حال رفع الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس، فإن الخطوة ستكون متماشية مع التوقعات السائدة، لكن لهجة وارش بشأن إمكانية مواصلة التشديد قد تؤثر في عوائد السندات والدولار والأسهم.
وفي المقابل، فإن تبني لهجة أقل تشددًا قد يدفع المستثمرين إلى إعادة تقييم توقعاتهم بشأن وتيرة الزيادات المقبلة، خصوصًا إذا أظهرت البيانات اللاحقة علامات على تباطؤ التضخم أو سوق العمل.
ويأتي ذلك في وقت تقترب فيه عوائد السندات الأمريكية لأجل 10 سنوات من مستوى 5%، وهو مستوى يحظى باهتمام واسع في الأسواق بسبب انعكاساته على تكاليف التمويل وتقييمات الأسهم والأصول الأخرى.
وبذلك، يكتسب اجتماع سبتمبر أهمية تتجاوز قرار الفائدة نفسه، إذ قد يشكل نقطة اختبار لنهج كيفن وارش في إدارة السياسة النقدية والتواصل مع الأسواق، كما سيحدد إلى حد كبير ما إذا كان أي رفع للفائدة يمثل تحركًا منفردًا أم بداية مسار جديد من التشديد لمواجهة استمرار الضغوط التضخمية.




