الذكاء الاصطناعي يعيد رسم مستقبل مراكز النداء بالمغرب

يواجه قطاع مراكز النداء والأوفشورينغ في المغرب مرحلة مفصلية تفرض إعادة التفكير في مستقبله، في ظل تسارع التحول الرقمي وتوسع استخدام الذكاء الاصطناعي والأتمتة، إلى جانب تنامي القيود التنظيمية المفروضة على هذا النشاط في عدد من الأسواق الخارجية.
وفي ظل هذه المتغيرات، رفعت الجامعة الوطنية لمراكز النداء ومهن الأوفشورينغ، التابعة للاتحاد المغربي للشغل، مذكرة مطلبية إلى الحكومة، دعت فيها إلى مراجعة النموذج الحالي للقطاع ووضع رؤية جديدة تمتد إلى سنة 2030، تراعي التحولات التكنولوجية وتحافظ في الوقت ذاته على التشغيل.
وترى النقابة أن مستقبل القطاع لا ينبغي أن يُبنى على الحفاظ على الوظائف الحالية فقط، وإنما يتطلب أيضا الاستعداد للمهن التي ستفرزها المرحلة المقبلة، عبر الاستثمار في تكوين العاملين وإعادة تأهيلهم وتمكينهم من الانتقال إلى وظائف جديدة، بما يضمن ألا يتحمل الأجراء وحدهم تبعات التحول الرقمي.
وأشارت الجامعة إلى أن شركات الأوفشورينغ ومراكز النداء أصبحت مطالبة بالتكيف مع تغيرات متسارعة في طبيعة الخدمات والمهام، في وقت بدأت فيه تقنيات الذكاء الاصطناعي والأنظمة المؤتمتة تؤثر بشكل مباشر في عدد من الوظائف التقليدية.
وحذرت من أن استمرار هذه التحولات دون إجراءات استباقية قد يهدد آلاف مناصب الشغل، لكنها أكدت في المقابل أن التكنولوجيا يمكن أن تتحول إلى فرصة لتطوير القطاع ورفع قيمته المضافة وخلق وظائف جديدة، إذا تمت مواكبتها بسياسات عادلة ومنظمة.
وفي هذا السياق، دعت الجامعة إلى فتح حوار ثلاثي عاجل يجمع الحكومة وممثلي الأجراء وأرباب العمل، بهدف إعداد خارطة طريق واضحة لمراجعة عرض المغرب في مجال الأوفشورينغ في أفق 2030.
وتعتبر النقابة أن هذا الحوار يجب أن يفضي إلى إجراءات عملية لحماية الوظائف، ومواكبة العاملين خلال مراحل التحول، وفتح مسارات انتقال مهني نحو المهن الجديدة التي يفرضها التطور التكنولوجي.
كما اقترحت إسناد مهمة تتبع تداعيات التحولات التي يشهدها القطاع إلى المرصد الوطني لسوق الشغل، من خلال توفير معطيات دقيقة ومحيّنة حول عدد المقاولات والأجراء، ورصد الوظائف الأكثر عرضة للتغيير أو الاختفاء، إلى جانب تحديد احتياجات التكوين والمهارات التي سيحتاجها القطاع خلال السنوات المقبلة.
وطالبت أيضا بإشراك ممثلي العاملات والعاملين في اللجنة التقنية المكلفة بالأوفشورينغ، معتبرة أن حضور البعد الاجتماعي في عملية اتخاذ القرار من شأنه ضمان إدماج حماية التشغيل ضمن التصور الجديد للقطاع.
ومن بين أبرز المقترحات التي طرحتها الجامعة إطلاق برنامج وطني لإعادة تأهيل العاملين قبل اتخاذ أي إجراءات لتقليص الوظائف بسبب التحول التكنولوجي.
ويقترح التصور النقابي أن يتيح البرنامج للأجراء فرصا حقيقية للانتقال إلى مهن رقمية جديدة، سواء من خلال التكوين وإعادة التأهيل، أو إعادة توزيعهم داخل الشركات، أو مواكبتهم للانتقال إلى وظائف أخرى، مع توفير شهادات معترف بها ومسارات مهنية واضحة.
وترى الجامعة أن الاستثمار في العنصر البشري يجب أن يواكب الاستثمارات التكنولوجية، حتى لا يتحول إدخال أدوات الذكاء الاصطناعي والأتمتة إلى عامل يؤدي إلى فقدان الوظائف بدل أن يساهم في تحسين الإنتاجية وتطوير المهارات.
كما دعت النقابة إلى إعادة النظر في شروط الاستفادة من الدعم العمومي الموجه للقطاع، وربطه بالتزامات اجتماعية واضحة تشمل الحفاظ على مناصب الشغل، وتكوين الأجراء، وتحسين ظروف العمل.
وشددت كذلك على ضرورة إرساء حوار اجتماعي دائم حول انعكاسات الذكاء الاصطناعي والأتمتة على الوظائف والمهام، خصوصا أن طبيعة العمل داخل مراكز النداء تشهد تغيرات متسارعة مع انتشار الحلول الرقمية وأنظمة المحادثة الآلية.
وفي الجانب الاقتصادي، تدفع الجامعة باتجاه إعادة توجيه القطاع نحو أنشطة أكثر تعقيدا وقيمة مضافة، لاسيما في مجالات التكنولوجيا والبيانات والذكاء الاصطناعي، عوض الاستمرار في التركيز على الخدمات التقليدية التي تعتمد بدرجة كبيرة على كثافة اليد العاملة.
كما ترى أن تنويع الأسواق والأنشطة أصبح ضروريا لتقليص مخاطر الاعتماد المفرط على أسواق خارجية محددة، مع العمل في الوقت نفسه على تطوير الطلب الداخلي على الخدمات الرقمية المغربية.
وتأتي هذه الدعوات في وقت يواجه فيه قطاع الأوفشورينغ المغربي تحديات متزايدة على الصعيد الدولي، سواء بسبب التطور السريع للتكنولوجيا أو نتيجة تشديد بعض الدول لقواعدها المنظمة لأنشطة التسويق الهاتفي والتواصل التجاري.
وتخشى النقابة من أن تؤدي هذه القيود، إلى جانب الأتمتة والذكاء الاصطناعي، إلى تضييق هامش نمو بعض أنشطة مراكز النداء التقليدية، وهو ما يجعل تنويع الخدمات والانتقال نحو مجالات ذات قيمة مضافة أعلى أمرا أكثر إلحاحا.
وبالنسبة للجامعة الوطنية لمراكز النداء ومهن الأوفشورينغ، فإن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من التعامل مع التحولات بعد وقوعها إلى اعتماد سياسة استباقية تقوم على رصد التغيرات وتوقع المهن المستقبلية والاستثمار في تكوين الأجراء.
وترى النقابة أن نجاح النموذج الجديد للقطاع سيظل مرتبطا بقدرته على تحقيق توازن بين التنافسية والاستثمار التكنولوجي من جهة، وحماية التشغيل والعدالة الاجتماعية من جهة أخرى.
وبذلك، تضع المطالب النقابية الحكومة والفاعلين الاقتصاديين أمام تحدي إعادة صياغة مستقبل الأوفشورينغ المغربي، بما يسمح للقطاع بالحفاظ على قدرته التنافسية في الأسواق الدولية، وفي الوقت نفسه تحويل التحول الرقمي من تهديد لمناصب الشغل إلى فرصة لتطوير الكفاءات وخلق وظائف أكثر تخصصا وقيمة مضافة.




