التنفيذ والحكامة.. التحدي الحقيقي أمام نجاح المشاريع الكبرى في المغرب

راكم المغرب خلال السنوات الأخيرة تحولات عميقة عبر إطلاق مشاريع كبرى شملت مختلف القطاعات الحيوية، من تطوير البنيات التحتية وتعزيز الصناعة الوطنية، إلى الاستثمار في الطاقات المتجددة وتوسيع برامج الحماية الاجتماعية ودعم جاذبية الاقتصاد الوطني. وتعكس هذه الدينامية توجهاً استراتيجياً يهدف إلى تعزيز مكانة المملكة على المستويين الإقليمي والدولي، وبناء نموذج تنموي يستجيب للتحولات الاقتصادية والجيوسياسية المتسارعة.
غير أن اتساع حجم هذه الأوراش وتنوع أهدافها يطرح تحدياً محورياً يرتبط بقدرة منظومة التدبير العمومي على مواكبة هذا المسار، وتحويل الرهانات الكبرى إلى نتائج عملية يشعر المواطن بأثرها في الخدمات اليومية وفرص التنمية وتحسين ظروف العيش.
ولم يعد التحدي الأساسي مرتبطاً فقط بقدرة الدولة على وضع الاستراتيجيات وإطلاق المشاريع، بل أصبح يرتبط بدرجة أكبر بفعالية التنفيذ، وسرعة تنزيل القرارات، ومدى قدرة المؤسسات على تجاوز العراقيل الإدارية والتنظيمية التي قد تؤثر على آجال الإنجاز وجودة النتائج.
وتبرز في هذا السياق إشكالية الفارق بين مستوى التخطيط الاستراتيجي وسرعة التطبيق على أرض الواقع، إذ أظهرت تجارب عدد من البرامج العمومية أن بعض المشاريع تواجه صعوبات مرتبطة بتعقيد المساطر، وتأخر إخراج النصوص التنظيمية، وضعف التنسيق بين المتدخلين، وهي عوامل قد تقلص من الأثر المنتظر وتؤخر تحقيق الأهداف المسطرة.
كما أن استمرار بعض مظاهر التعقيد الإداري، والحاجة إلى تعزيز مبادئ الحكامة والشفافية، يفرضان مواصلة إصلاح طرق تدبير الشأن العام، بما يضمن استعمالاً أكثر نجاعة للموارد، ويرفع من مستوى الثقة بين المواطن والمؤسسات.
ولا يكمن الإشكال في غياب الرؤية أو محدودية الطموحات، بل في ضرورة جعل التنفيذ محوراً أساسياً لنجاح المشاريع الوطنية الكبرى. فنجاح أي ورش استراتيجي لا يقاس فقط بحجم الاستثمارات المرصودة أو أهمية الأهداف المعلنة، وإنما بمدى القدرة على تحقيق النتائج في الآجال المحددة وبمعايير عالية من الفعالية والجودة.
ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية مواصلة تحديث الإدارة العمومية عبر تبسيط الإجراءات، وتسريع التحول الرقمي، وتعزيز كفاءة الموارد البشرية، واعتماد آليات أكثر صرامة للتقييم والمراقبة وربط المسؤولية بالمحاسبة، بما يجعل الأداء المؤسساتي أكثر انسجاماً مع حجم التحديات المطروحة.
إن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من منطق إطلاق المشاريع إلى منطق تحقيق الأثر، عبر بناء إدارة أكثر مرونة وقدرة على الإنجاز، قادرة على تحويل الاختيارات الاستراتيجية إلى نتائج ملموسة ومستدامة. فالتجارب الدولية تؤكد أن قوة الدول لا تحدد فقط بامتلاك رؤى طموحة، بل بقدرتها على تنفيذها بكفاءة، وهو ما يجعل إصلاح الحكامة وتحسين جودة التدبير العمومي أحد أبرز رهانات التنمية في المغرب.




