الاقتصادية

الأسواق الأمريكية تعيد تسعير الفائدة بعد صدمة بيانات الاقتصاد والسندات

شهدت الأسواق المالية الأمريكية جلسة مضطربة أعادت إلى الواجهة مخاوف المستثمرين بشأن مسار أسعار الفائدة، بعدما جاءت بيانات النشاط الاقتصادي أقوى من المتوقع، بالتزامن مع استمرار ارتفاع الضغوط التضخمية وضعف الطلب على السندات الحكومية.

ولم تقتصر تداعيات التحول في توقعات السياسة النقدية على سوق واحدة، إذ تزامن ارتفاع عوائد سندات الخزانة مع صعود الدولار وتراجع الأسهم والذهب، في حركة متزامنة عكست إعادة تقييم واسعة لأسعار الأصول في ضوء احتمال استمرار التشديد النقدي لفترة أطول.

وبدأت شرارة التحرك مع صدور القراءة الأولية لمؤشر مديري المشتريات الأمريكي المركب لشهر شتنبر، والتي أظهرت ارتفاع المؤشر إلى 58.4 نقطة، مقابل 56 نقطة في غشت، مسجلاً بذلك أعلى مستوى له منذ يوليوز 2021.

وجاءت مكونات المؤشر لتؤكد قوة النشاط، بعدما ارتفع مؤشر التصنيع إلى 57 نقطة، متجاوزاً توقعات تراوحت بين 53.6 و53.7 نقطة، بينما سجل مؤشر الخدمات 58.7 نقطة، مقابل توقعات عند 56 نقطة.

غير أن ما أثار اهتمام سوق السندات لم يكن قوة النشاط الاقتصادي وحدها، بل الارتفاع المتزامن في مقاييس تكاليف المدخلات، التي صعدت إلى مستويات لم تشهدها منذ نحو أربعة أعوام، بما يشير إلى استمرار ضغوط الأسعار.

وهكذا تحولت القراءة الاقتصادية من خبر إيجابي بالنسبة إلى أداء الشركات إلى عامل ضغط على الأسواق، بعدما أصبح النمو القوي يعني قدرة الاقتصاد على تحمل أسعار فائدة مرتفعة، في الوقت الذي لا يزال فيه التضخم بعيداً عن المستوى المستهدف بالسرعة التي يرغب فيها صانعو السياسة النقدية.

بعد نحو 20 دقيقة من صدور البيانات، أضاف عضو مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي مايكل بار عاملاً جديداً إلى المشهد.

وأشار بار إلى قوة النمو وتماسك سوق العمل، لافتاً إلى استمرار التضخم فوق مستوى 2% وعدم وجود مسار واضح وسريع نحو الهدف، وقال إن سيناريوه الأساسي يتضمن احتمال إجراء تعديلات إضافية على السياسة النقدية.

وأدت هذه التصريحات إلى انتقال تأثير البيانات الاقتصادية مباشرة إلى سوق توقعات الفائدة، إذ بدأ المستثمرون في إعادة تقييم عدد الزيادات التي قد يحتاج إليها الاحتياطي الفيدرالي قبل الوصول إلى المستوى الذي يعتبره مناسباً للسياسة النقدية.

انعكس التحول في توقعات الفائدة سريعاً على سوق الخزانة الأمريكية.

وصعد عائد السندات لأجل عامين من نحو 4.71% في اليوم السابق إلى قرابة 4.85%، بزيادة بلغت حوالي 14 نقطة أساس.

كما ارتفع عائد سندات الخزانة لأجل خمس سنوات من حوالي 4.83% إلى أكثر من 4.99%، مسجلاً زيادة تقارب 16 نقطة أساس.

أما عائد السندات لأجل عشر سنوات، فانتقل من نحو 4.96% إلى حوالي 5.11%، ليخترق مستوى 5% ويصل إلى أعلى مستوياته في نحو 19 عاماً.

وتكتسب حركة السندات القصيرة والمتوسطة أهمية خاصة، لأنها تعكس بدرجة أكبر توقعات الأسواق بشأن السياسة النقدية المقبلة، بينما تتأثر الآجال الأطول أيضاً بعوامل مثل التضخم وتوقعات النمو وعلاوة الأجل.

ولم تتوقف إعادة التسعير عند تحركات العوائد، إذ ارتفعت توقعات المتعاملين بشأن رفع الفائدة في اجتماع أكتوبر إلى نحو 70%، مقابل حوالي 55% قبل صدور البيانات.

لم تكن البيانات الاقتصادية وتصريحات مسؤولي الفيدرالي وحدها وراء اضطراب سوق السندات.

ففي الساعة الواحدة ظهراً بتوقيت نيويورك، طرحت وزارة الخزانة الأمريكية سندات لأجل خمس سنوات بقيمة 70 مليار دولار، إلا أن الطلب جاء أضعف من المتوقع، ما ساهم في دفع عائد السندات الخمسية إلى تجاوز مستوى 5% خلال الجلسة للمرة الأولى منذ قرابة عقدين.

وأعطى المزاد الأسواق إشارة إضافية إلى أن ارتفاع العوائد لا يرتبط فقط بتوقعات قرارات الاحتياطي الفيدرالي، بل أيضاً بمستوى العائد الذي يطلبه المستثمرون مقابل الاحتفاظ بالسندات الحكومية الأمريكية.

امتدت تداعيات إعادة التسعير إلى سوق الأسهم، خصوصاً القطاعات الأكثر حساسية لتغيرات أسعار الفائدة.

وتراجع مؤشر إس آند بي 500 بنحو 0.8%، بينما انخفض مؤشر ناسداك المركب بحوالي 1.1%، في حين سجل مؤشر راسل 2000 خسارة أكبر بلغت نحو 1.8%.

وتتأثر أسهم النمو والتكنولوجيا بصورة أكبر بارتفاع معدلات الخصم، نظراً لاعتماد تقييماتها بدرجة كبيرة على التدفقات النقدية والأرباح المتوقعة في المستقبل.

وفي سوق المعادن، تعرض الذهب بدوره للضغط، بعدما اجتمعت قوتان ضده في الوقت نفسه: ارتفاع الدولار، الذي يجعل المعدن أكثر تكلفة بالنسبة إلى حائزي العملات الأخرى، وصعود عوائد السندات، التي تزيد تكلفة الاحتفاظ بأصل لا يدر فائدة.

أما النفط فسلك اتجاهاً مختلفاً، إذ ارتفع وأغلق فوق 103 دولارات للبرميل، ما أضاف عنصراً آخر إلى حسابات التضخم والسياسة النقدية.

أدت هذه التطورات إلى تغير واضح في توقعات المتعاملين بشأن مسار الفائدة خلال الأشهر المقبلة.

وارتفعت احتمالات رفع سعر الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس خلال اجتماع 28 أكتوبر إلى أكثر من 70%، فيما تجاوزت احتمالات زيادة أخرى في ديسمبر مستوى 50% وفق تسعير العقود.

وتكتسب هذه التحركات أهمية لأن توقعات صناع السياسة النقدية كانت تشير إلى إمكانية إجراء زيادة إضافية واحدة خلال العام، بينما بدأ تسعير السوق يعكس احتمال مسار أكثر تشدداً من ذلك.

ولا يعني ذلك بالضرورة أن الاحتياطي الفيدرالي حسم قراره، إذ تظل توقعات الفائدة مرتبطة بالبيانات المقبلة، خصوصاً التضخم وسوق العمل والنشاط الاقتصادي وأسعار الطاقة.

استحضرت تحركات السندات الحالية تجربة عام 1994، عندما بدأ الاحتياطي الفيدرالي دورة رفع للفائدة وانتهى العام بزيادة إجمالية بلغت 300 نقطة أساس.

وخلال تلك الفترة، ارتفع عائد سندات الخزانة لأجل عشر سنوات بأكثر من نقطتين مئويتين خلال تسعة أشهر، في واحدة من أكثر فترات اضطراب سوق السندات شهرة، بعدما تبين أن مسار التشديد الذي كانت الأسواق تسعره في البداية لم يكن كافياً لاستيعاب اتجاه السياسة النقدية.

لكن المقارنة لا تعني أن السيناريو نفسه يتكرر في 2026، وإنما تبرز أهمية الفارق بين توقع السوق لمسار الفائدة والمسار الذي قد تفرضه البيانات الاقتصادية.

فالارتفاع الحاد في عائد السندات لأجل عامين خلال جلسة واحدة يشير إلى أن جزءاً مهماً من الحركة الأخيرة مرتبط بإعادة تقييم توقعات السياسة النقدية، وليس فقط بعوامل مرتبطة بالآجال الطويلة أو بوضع المالية العامة الأمريكية.

تبقى الخطوة التالية رهينة بالبيانات الاقتصادية التي ستصدر خلال الأسابيع المقبلة. فإذا أظهرت مؤشرات سوق العمل تباطؤاً، أو تراجعت أسعار الطاقة، أو جاءت بيانات التضخم الأساسي أكثر اعتدالاً، فقد تتغير توقعات المستثمرين بشأن موعد وحجم الزيادات المقبلة.

أما استمرار قوة النشاط الاقتصادي إلى جانب ضغوط الأسعار وارتفاع تكاليف الطاقة، فقد يبقي العوائد عند مستويات مرتفعة ويجعل الأسواق أكثر حساسية لأي إشارة جديدة من الاحتياطي الفيدرالي.

وبذلك، لا تمثل جلسة واحدة دليلاً حاسماً على بداية دورة نقدية جديدة، لكنها كشفت عن سرعة انتقال الأسواق من تسعير سيناريو يعتمد على اقتراب نهاية التشديد إلى اختبار فرضية بقاء أسعار الفائدة المرتفعة لفترة أطول.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى