الاقتصادية

أوروبا تنجو من نقص وقود الطائرات وتدفع فاتورة الصدمة عبر الأسعار

لم تتحول أزمة الإمدادات التي هددت قطاع الطيران الأوروبي إلى طوابير أمام المطارات أو موجة واسعة من إلغاء الرحلات، كما كان يُخشى قبل أشهر، لكنها تركت أثرًا أعمق في سوق الوقود. فاضطراب الإمدادات القادمة من الشرق الأوسط أجبر أوروبا على البحث سريعًا عن مصادر بديلة، فيما لجأت المصافي وشركات الطيران إلى تعديلات واسعة لاحتواء تداعيات الأزمة.

وكانت المخاوف قد بلغت ذروتها مع اضطراب حركة الشحن عبر مضيق هرمز، الذي يمثل أحد أهم الممرات لنقل الطاقة عالميًا، إذ كانت أوروبا تعتمد بدرجة كبيرة على واردات وقود الطائرات من منطقة الشرق الأوسط. ومع تراجع التدفقات وبدء المخزونات في الانخفاض، ظهرت تحذيرات من احتمال وصول بعض المطارات إلى مستويات حرجة من الإمدادات، بما قد يفرض تقليص الرحلات أو إلغائها.

إلا أن الأسواق تمكنت من تفادي السيناريو الأسوأ. فبدل انتظار عودة الشحنات المعتادة، أعادت الشركات ترتيب مصادر التوريد، ورفعت المصافي الإنتاج، بينما ساهم ارتفاع الأسعار في الحد من نمو الطلب. وبذلك، انتقلت الأزمة من خطر نقص مادي حاد إلى أزمة تكلفة انعكست على شركات الطيران والمسافرين.

قبل اندلاع الأزمة، كان الشرق الأوسط يمثل نحو 75% من واردات أوروبا من وقود الطائرات، بما يعادل قرابة 375 ألف برميل يوميًا. وتزداد حساسية القارة تجاه أي اضطراب خارجي بالنظر إلى الفجوة بين الاستهلاك والإنتاج، إذ تستهلك أوروبا نحو 1.6 مليون برميل يوميًا من وقود الطائرات، في حين لا يتجاوز إنتاجها 1.1 مليون برميل.

وتبرز بريطانيا بشكل خاص ضمن الدول الأكثر تعرضًا لتقلبات السوق، باعتبارها أكبر مستهلك لوقود الطائرات في أوروبا، مع اعتمادها على الواردات لتغطية نحو 65% من احتياجاتها.

ومع تراجع حركة الشحن عبر مضيق هرمز وتوقف وصول شحنات المنطقة تقريبًا خلال أبريل، بدأت مخزونات الوقود في المراكز التجارية الأوروبية الرئيسية بالانخفاض إلى مستويات مقلقة.

وفي ذلك الوقت، حذر فاتح بيرول، المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية، من أن المخزونات الأوروبية قد لا تكفي سوى لنحو ستة أسابيع، ما أثار مخاوف من اضطرابات مباشرة في حركة الطيران إذا استمر انقطاع الإمدادات.

بدل انتظار عودة التدفقات القادمة من الشرق الأوسط، تحركت السوق الأوروبية بسرعة للبحث عن بدائل. واتجه المستوردون إلى الولايات المتحدة وكندا ونيجيريا والهند وكوريا الجنوبية لتأمين كميات إضافية من وقود الطائرات.

في الوقت ذاته، لجأت المصافي الأوروبية إلى زيادة إنتاجها من هذا النوع من الوقود، عبر تخصيص حصة أكبر من عمليات التكرير لوقود الطائرات. وفي إيطاليا، ارتفع الإنتاج بنحو 10% خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام.

ولم تقتصر الاستجابة على المصافي الأوروبية، إذ رفعت المصافي الأميركية إنتاج وقود الطائرات إلى مستويات قياسية، متجاوزًا مليوني برميل يوميًا وفق متوسط أربعة أسابيع للمرة الأولى، مستفيدة من ارتفاع الأسعار في الأسواق الأوروبية والآسيوية، الأمر الذي شجع على توجيه مزيد من الشحنات الأميركية نحو الخارج.

وفي المقابل، ساهم ارتفاع الأسعار واضطرابات حركة الطيران في تقليص الطلب جزئيًا. فقد أصبحت بعض الرحلات أقل جدوى من الناحية الاقتصادية، كما ألغيت رحلات أخرى أو تغيرت مساراتها، وهو ما أدى إلى تخفيف الضغط على الإمدادات في بعض الأسواق.

وتكشف هذه التطورات عن طبيعة أسواق الطاقة، التي لا تحتاج دائمًا إلى حل واحد لتعويض صدمة كبيرة. فقد جاء التوازن نتيجة سلسلة طويلة من التحركات الصغيرة، من زيادة إنتاج مصفاة، وتحويل مسار ناقلة، وإعادة توزيع الشحنات، إلى تقليص رحلات جوية وتأجيل بعض عمليات التشغيل.

ورغم نجاح أوروبا في تجنب نقص مادي حاد، فإنها لم تتمكن من تفادي التأثير الاقتصادي للأزمة. فقد قفزت أسعار وقود الطائرات بوتيرة أسرع قليلًا من أسعار النفط، في ظل محدودية إنتاجه خلال عمليات التكرير، إذ لا يتحول سوى جزء محدود من النفط الخام إلى هذا النوع من الوقود.

وفي الرابع من أغسطس، وصل سعر برميل وقود الطائرات إلى نحو 149 دولارًا، مقارنة بنحو 90 دولارًا في بداية عام 2026، بزيادة تقارب 65%.

وتشكل هذه الزيادة ضغطًا مباشرًا على شركات الطيران، التي يذهب ما بين 20% و25% من تكاليف تشغيلها إلى الوقود. ومع اتساع الفجوة بين تكلفة التشغيل وأسعار التذاكر، أصبحت قدرة الشركات على امتصاص الارتفاع محدودة.

ولم يكن أمام شركات الطيران سوى مجموعة من الخيارات، شملت التحوط من تقلبات الأسعار، وتقليص بعض الرحلات، وإعادة توزيع استخدام الطائرات، إلى جانب تمرير جزء من الزيادة إلى المسافرين عبر رفع أسعار التذاكر في عدد من الأسواق.

وتوضح بيانات الأسعار العالمية استمرار الضغوط خلال يوليو، إذ سجل متوسط سعر البرميل في الأسبوع المنتهي في 31 يوليو نحو 158.77 دولارًا، بانخفاض 0.8% عن الأسبوع السابق.

وكان السعر قد بلغ 160.06 دولارًا في الأسبوع المنتهي في 24 يوليو، بزيادة 7.1%، بعدما ارتفع في الأسبوع السابق له بنسبة 17.6% إلى 149.40 دولارًا. وفي 10 يوليو، وصل المتوسط إلى 127.06 دولارًا بزيادة 6.7%، بينما سجل 119.13 دولارًا في الأسبوع المنتهي في 3 يوليو.

وتظهر هذه الأرقام أن تراجع الأسعار في نهاية يوليو لم يكن كافيًا لإعادة السوق إلى مستويات ما قبل الأزمة، خصوصًا أن الأسعار لا تزال أعلى بكثير من مستويات بداية العام.

ورغم عدم تحقق السيناريو الذي كان يتوقع نفاد وقود الطائرات في بعض المطارات الأوروبية، فإن الأزمة لم تنتهِ بالكامل.

ففي مطلع يونيو، كانت مخزونات وقود الطائرات في أوروبا عند نحو 38 مليون برميل، وهو مستوى لا يغطي سوى أقل من شهر من الطلب، ما يعكس هشاشة وضع الإمدادات مقارنة بما كان عليه قبل الأزمة.

وبالتالي، فإن ما حدث لا يعني أن التحذيرات السابقة كانت مبالغًا فيها، بل يوضح قدرة أسواق الطاقة على امتصاص الصدمات من خلال إعادة توزيع الإمدادات وتغيير أنماط الإنتاج والاستهلاك.

لكن هذه المرونة جاءت بتكلفة مرتفعة. فقد تراجعت هوامش الأمان في المخزونات، وارتفعت تكلفة الإمدادات، وأصبحت أسعار وقود الطائرات أكثر حساسية لأي اضطراب جديد.

وبذلك، لم تتجنب أوروبا أزمة وقود الطائرات بقدر ما تمكنت من إعادة توزيع آثارها بين المنتجين والموردين وشركات الطيران والمسافرين. أما الخطر الحقيقي، فيكمن في أن أي صدمة جديدة قد تضرب السوق من نقطة انطلاق أكثر هشاشة، بعدما استُنزفت المخزونات وأصبحت الأسعار أعلى بكثير من مستوياتها الطبيعية.

 

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى