الحمضيات المغربية تحافظ على الإنتاج وتخسر جزءاً من زخمها في السوق الأوروبية

لم يكن استقرار إنتاج الحمضيات في المغرب خلال الموسم الفلاحي 2025-2026 كافياً لضمان الحفاظ على وتيرة الصادرات نحو أوروبا، إذ أظهرت بيانات الأشهر الأولى من الموسم تراجعاً في الشحنات المغربية، في وقت وسعت فيه دول منافسة حضورها داخل السوق الأوروبية، مستفيدة من ارتفاع الإمدادات وتغير خريطة العرض.
وتشير أحدث التقديرات إلى أن المغرب يتجه لإنهاء الموسم بإنتاج يقارب 2.091 مليون طن من الحمضيات، وهو مستوى يظل قريباً من الموسم السابق، رغم استمرار الضغوط المرتبطة بالمناخ والموارد المائية وتذبذب المردودية الزراعية.
وبحسب تقرير مرحلي نشرته وزارة الزراعة والصيد البحري والغذاء الإسبانية في 6 غشت 2026، اعتماداً على معطيات من بينها تقديرات المنظمة العالمية للحمضيات، فإن الإنتاج المغربي المتوقع يقل بنسبة 0.8 في المائة فقط عن موسم 2024-2025، بينما يظل قريباً جداً من متوسط الإنتاج المسجل خلال المواسم الأربعة السابقة.
ويعكس ذلك قدرة القطاع على الحفاظ على مستوى إنتاجي مستقر نسبياً، في وقت تواجه فيه زراعة الحمضيات في عدد من دول حوض المتوسط ظروفاً مناخية متباينة وتحديات مرتبطة بالأمراض وتقلبات المحاصيل.
تستحوذ الحمضيات الصغيرة على الحصة الأكبر من الإنتاج المغربي، إذ يرتقب أن يصل حجم إنتاج اليوسفي والكلمنتين وغيرها من الأصناف إلى حوالي 1.142 مليون طن خلال الموسم الحالي، بزيادة سنوية قدرها 9.5 في المائة.
وتشكل هذه الكمية نحو 55 في المائة من إجمالي الإنتاج الوطني للحمضيات، ما يجعل هذه الفئة محوراً رئيسياً في استراتيجية الإنتاج والتصدير المغربية.
لكن ارتفاع الكميات المنتجة لا يضمن تلقائياً زيادة المبيعات الخارجية، خاصة في ظل تشدد المستوردين الأوروبيين في ما يتعلق بالمواصفات التجارية، من حيث الحجم والجودة والتعبئة والسلامة الصحية وانتظام الإمدادات.
وفي فئة البرتقال، تشير التقديرات إلى إنتاج يبلغ حوالي 900 ألف طن، بانخفاض طفيف قدره 0.5 في المائة مقارنة بالموسم السابق، فيما يقل الإنتاج بنحو 5.1 في المائة عن متوسط المواسم الأربعة الأخيرة.
وسجل الليمون اتجاهاً مختلفاً، مع توقع ارتفاع الإنتاج بنسبة 5 في المائة إلى نحو 43.8 ألف طن، بينما يرتقب أن يصل إنتاج البوميلو إلى حوالي 5.4 آلاف طن، بزيادة سنوية تناهز 3.9 في المائة.
ورغم هذه الزيادات، تظل مساهمة الليمون والبوميلو محدودة مقارنة باليوسفي والكلمنتين والبرتقال ضمن تركيبة الإنتاج الوطني.
في الوقت الذي حافظ فيه الإنتاج على استقراره النسبي، سجلت الصادرات المغربية من الحمضيات الصغيرة إلى الاتحاد الأوروبي تراجعاً خلال النصف الأول من الموسم.
وبحسب بيانات يوروستات للفترة الممتدة بين شتنبر 2025 وفبراير 2026، استورد الاتحاد الأوروبي حوالي 83,072 طناً من الحمضيات الصغيرة المغربية، مقابل 96,188 طناً خلال الفترة نفسها من الموسم السابق.
ويعني ذلك انخفاضاً بنسبة 13.6 في المائة على أساس سنوي. ومع ذلك، تظل الكميات المسجلة أعلى بشكل طفيف من متوسط المواسم الخمسة الماضية، الذي بلغ نحو 81,933 طناً.
أما البرتقال، فقد واجه تراجعاً أكثر حدة، إذ انخفضت الصادرات المغربية إلى الاتحاد الأوروبي إلى حوالي 2,707 أطنان، مقابل 4,179 طناً قبل عام، مسجلة بذلك انخفاضاً بنسبة 35.2 في المائة.
وبالمقارنة مع متوسط السنوات الخمس الماضية، تصبح الفجوة أكبر، إذ تقلصت صادرات البرتقال المغربية بنحو 54.7 في المائة عن متوسط بلغ حوالي 5,974 طناً.
وتظل هذه الأرقام مرحلية ولا تمثل الحصيلة النهائية للموسم، لكنها تقدم مؤشراً على صعوبة الحفاظ على الحصة المغربية داخل السوق الأوروبية، حتى عندما يظل الإنتاج المحلي مستقراً.
يأتي تراجع المغرب في سياق توسع واضح في الإمدادات القادمة من خارج الاتحاد الأوروبي.
فخلال الفترة نفسها، ارتفعت واردات الاتحاد الأوروبي من الحمضيات الصغيرة القادمة من دول خارج التكتل إلى حوالي 398,617 طناً، بزيادة بلغت 31.4 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من الموسم السابق، وبنحو 52.3 في المائة مقارنة بمتوسط المواسم الخمسة الماضية.
وتبرز تركيا بشكل خاص ضمن قائمة المستفيدين من هذا التوسع، بعدما تجاوزت صادراتها إلى الاتحاد الأوروبي 102,369 طناً، أي أكثر من ضعف مستواها المسجل قبل عام.
كما رفعت مصر شحناتها إلى حوالي 38,480 طناً، بينما زادت صادرات جنوب إفريقيا بنسبة 33.3 في المائة لتصل إلى نحو 116,144 طناً.
وتكشف هذه الأرقام عن تحول في طبيعة المنافسة داخل السوق الأوروبية، التي أصبحت تستقبل كميات أكبر من الحمضيات القادمة من مصادر متعددة، ما يمنح المستوردين خيارات أوسع ويزيد الضغط على المصدرين المغاربة.
أصبح التحدي بالنسبة إلى قطاع الحمضيات المغربي يتجاوز مجرد الحفاظ على مستويات الإنتاج، ليمتد إلى القدرة على تحويل هذا الإنتاج إلى صادرات تنافسية قادرة على الصمود أمام الموردين الآخرين.
وفي هذا السياق، تبدو جودة المنتوج، واحترام متطلبات الأسواق الأوروبية، وتحسين عمليات الفرز والتوضيب والتبريد، إلى جانب كفاءة النقل واللوجستيك، عوامل حاسمة لتعزيز حضور الحمضيات المغربية بالخارج.
كما أن تنويع الأسواق وعدم الاعتماد بشكل مفرط على وجهة واحدة قد يشكل أحد المسارات التي يمكن أن تساعد القطاع على مواجهة تقلبات الطلب والمنافسة الدولية.




