تحقيقات مالية ترصد معاملات بالبيتكوين بين رجل أعمال ومسؤولين مغاربة

أعادت معاملات بالعملات المشفرة، جرت في الخارج لفائدة أشخاص مرتبطين بالمغرب، إلى الواجهة ملفاً مالياً يخضع للتدقيق من قبل أجهزة المراقبة المختصة، بعدما أظهرت التحريات مؤشرات على وجود معاملات قد تكون مرتبطة بعلاقات مالية مشبوهة بين رجل أعمال وثلاثة مسؤولين في القطاع العام وفق ما أوردته جريدة الصباح .
وتتجه الأبحاث إلى تفكيك شبكة من التعاملات المالية التي تمت جزئياً عبر الأصول الرقمية، خاصة “بيتكوين”، في محاولة لتحديد مصادر الأموال وطبيعة الروابط التي تجمع الأطراف المعنية، وما إذا كانت بعض هذه المعاملات تخفي مقابلاً مالياً لخدمات أو تسهيلات مرتبطة بالوظيفة.
ودخلت الهيئة الوطنية للمعلومات المالية ومكتب الصرف على خط الملف، في إطار تحريات تستهدف التحقق من شبهات محتملة تتعلق بغسل الأموال واستعمال العملات الافتراضية خارج القنوات المالية التقليدية، خصوصاً بعدما تم رصد حسابات مرتبطة بمنصات لتداول الأصول الرقمية.
وأظهرت المعطيات التي تم تجميعها خلال مراحل البحث وجود عمليات أداء بالعملات المشفرة في الخارج، إلى جانب رصد اتصالات من أجهزة معلوماتية داخل المغرب بمنصات متخصصة في تداول العملات الافتراضية. ومكنت عملية تحليل هذه المعطيات من تحديد هويات عدد من الأشخاص الذين استخدموا “بيتكوين” لتسديد نفقات خلال إقامات في فنادق بدول آسيوية.
ولم تتوقف التحريات عند رصد عمليات الأداء، إذ جرى توسيع نطاق البحث لفهم العلاقات المالية بين الأشخاص المعنيين، خاصة بعد ظهور معاملات متداخلة أثارت انتباه أجهزة المراقبة.
ومع الاستعانة بجهات رقابية دولية شريكة وخبرات متخصصة في تحليل المعاملات الرقمية، تمكنت الجهات المختصة من تتبع عدد من العمليات وربطها بحسابات ومنصات مختلفة، بما ساعد على تكوين صورة أكثر وضوحاً حول حركة الأموال والعلاقات المحتملة بين أصحابها.
وتشير المعطيات الأولية إلى أن الأطراف التي تثير اهتمام المحققين تضم رجل أعمال وثلاثة مسؤولين، أحدهم يشغل منصباً على المستوى المركزي، فيما يتولى الآخران مسؤوليات محلية. ويجري حالياً التحقق مما إذا كانت المصالح المالية التي ظهرت بين هذه الأطراف مرتبطة بخدمات أو تسهيلات حصل عليها رجل الأعمال في إطار مشاريع أو صفقات تدخل ضمن اختصاصات المسؤولين المعنيين.
وفي هذا السياق، باشرت الجهات المختصة مراجعة عدد من المشاريع والصفقات المرتبطة برجل الأعمال، ومقارنتها بالقرارات والتدخلات التي صدرت عن المسؤولين الثلاثة، بهدف تحديد طبيعة العلاقة بين المعاملات المالية المرصودة والأنشطة المهنية أو الإدارية للأطراف المعنية.
ويطرح استخدام العملات المشفرة في هذه القضية جانباً آخر من التحقيقات، بالنظر إلى أن بعض المتعاملين قد يلجؤون إلى الأصول الرقمية اعتقاداً بأنها توفر مستوى أعلى من الخصوصية مقارنة بالتحويلات البنكية التقليدية. غير أن طبيعة تقنية “بلوك تشين” تجعل العديد من المعاملات الرقمية قابلة للتتبع والتحليل، خصوصاً عندما يتم الربط بين عنوان رقمي وهوية مستخدم معروفة.
وتعتمد أجهزة متخصصة في مكافحة الجرائم المالية على أدوات تقنية قادرة على تحليل حركة العملات المشفرة وتتبع مساراتها بين المحافظ الرقمية ومنصات التداول، الأمر الذي يسمح، في بعض الحالات، بتحديد الروابط بين عمليات تبدو في البداية منفصلة.
ويتمثل أحد مسارات البحث في الانطلاق من عملية أداء أو تحويل مرتبطة بشخص تم تحديد هويته، ثم العودة إلى العمليات السابقة واللاحقة المرتبطة بالمحفظة الرقمية أو الحساب المعني، بما يساعد على تحديد حركة الأموال والأطراف التي تعاملت معها.
وتواصل الجهات المكلفة بالتحريات المالية حالياً تدقيقها في طبيعة الخدمات التي يحتمل أن يكون المسؤولون الثلاثة قد قدموها لفائدة رجل الأعمال، إلى جانب فحص المشاريع والصفقات التي تجمعها صلات مباشرة أو غير مباشرة بالأطراف موضوع البحث.
كما يجري العمل على تحديد القيمة الإجمالية للمعاملات محل التدقيق ومصادر الأموال المستخدمة فيها، ومدى توافقها مع الأنشطة والتصريحات المالية للأشخاص المعنيين، فضلاً عن البحث في احتمال وجود أطراف أخرى مرتبطة بهذه العمليات.
ومن المنتظر أن تضمن الجهات المختصة نتائج الأبحاث في تقرير مفصل يتضمن طبيعة المعاملات التي تم رصدها والروابط المالية التي أمكن تحديدها، قبل اتخاذ القرار بشأن المراحل اللاحقة للملف.
وفي حال أفضت التحريات إلى معطيات وأدلة كافية، فقد يحال الملف على النيابة العامة المختصة لاتخاذ ما تراه مناسباً وفقاً للقانون، خصوصاً إذا كشفت الأبحاث عن وجود أموال مرتبطة باستغلال النفوذ أو تلقي منافع غير مشروعة أو عمليات تهدف إلى إخفاء مصادر الأموال.
ويظل الملف، في هذه المرحلة، في إطار التحريات وجمع المعطيات، في انتظار ما ستكشف عنه الأبحاث المالية والتقنية بشأن حقيقة المعاملات والروابط بين الأطراف المعنية.




