الاقتصادية

شيخوخة المستهلكين تعيد رسم خريطة النفط العالمي والهند وأفريقيا في قلب التحول

يشهد سوق النفط العالمي تحولًا تدريجيًا في مراكز الطلب، لا يرتبط فقط بتغير أسعار الخام أو وتيرة الإنتاج، بل بتغير أعمق تقوده التحولات الديموغرافية والاقتصادية.

فبينما تتجه الاقتصادات المتقدمة إلى مرحلة جديدة من الشيخوخة السكانية، تبرز دول آسيوية وأفريقية ذات تركيبة سكانية أكثر شبابًا باعتبارها مرشحة لقيادة الجزء الأكبر من نمو استهلاك الطاقة خلال العقود المقبلة.

وتكتسب هذه التحولات أهمية خاصة بالنسبة لقطاع النقل، الذي ظل لعقود أحد أكبر مصادر الطلب على النفط، مدفوعًا بالانتشار الواسع للسيارات الخاصة وارتفاع معدلات التنقل. غير أن تقاعد جيل طفرة المواليد، بالتزامن مع صعود أجيال جديدة في الاقتصادات الناشئة، قد يغير اتجاهات الطلب بدلًا من أن يؤدي إلى تراجعها.

ويضم جيل طفرة المواليد، المولود بين عامي 1946 و1964، نحو 13% من سكان العالم، ومع حلول عام 2030 سيكون جميع أفراده تقريبًا قد بلغوا 65 عامًا على الأقل. ومع خروج أعداد متزايدة منهم من سوق العمل وتغير أنماط التنقل والاستهلاك، تتجه الأنظار إلى الأسواق التي تضم ملايين المستهلكين الأصغر سنًا.

توضح البيانات السكانية حجم التحول الجاري. فقد بلغ عدد سكان العالم نحو 8.2 مليار نسمة في 2024، وتقدر الأمم المتحدة أن العدد قد يصل إلى نحو 10.3 مليار نسمة عند بلوغ السكان ذروتهم في منتصف ثمانينيات هذا القرن.

وفي الاتجاه المعاكس، تتوسع قاعدة كبار السن بسرعة، إذ يُتوقع ارتفاع عدد الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 65 عامًا فأكثر إلى نحو 1.5 مليار شخص بحلول 2050، مقابل حوالي 703 ملايين في 2019.

ولا يعني هذا المسار أن النفط سيفقد دوره بصورة تلقائية، وإنما يشير إلى احتمال انتقال مركز الثقل من الاقتصادات التي تتراجع فيها أعداد السكان في سن العمل إلى أسواق تشهد توسعًا سكانيًا وصناعيًا سريعًا.

ومن المتوقع أن تستحوذ دول مثل الهند ونيجيريا وباكستان وجمهورية الكونغو الديمقراطية وإندونيسيا على جانب مهم من الزيادة المستقبلية في عدد سكان العالم، وهي أسواق تتميز بارتفاع نسبة الشباب وتسارع التحضر والتصنيع.

وقد بدأت آثار هذا التحول تظهر في سوق النفط بالفعل، إذ جاءت غالبية الزيادة في الاستهلاك العالمي خلال 2025 من الاقتصادات الناشئة والنامية، التي أضافت نحو 600 ألف برميل يوميًا إلى الطلب، بينما ساهمت اقتصادات آسيا والمحيط الهادئ الناشئة وحدها بنحو 360 ألف برميل يوميًا.

وفي المقابل، لا يزال استهلاك النفط في الاقتصادات المتقدمة أقل من مستوياته المسجلة قبل جائحة كورونا، فيما استقر استهلاك وقود الطرق خلال 2025 مقارنة بالعام السابق.

تبدو الهند أبرز مثال على التحول الذي تشهده خريطة استهلاك النفط، إذ تجمع بين ضخامة عدد السكان وسرعة النمو الاقتصادي والتوسع الحضري والصناعي.

وتتوقع وكالة الطاقة الدولية أن تصبح الهند أكبر مساهم منفرد في نمو الطلب العالمي على النفط حتى عام 2030، مع زيادة استهلاكها بنحو 1.2 مليون برميل يوميًا، أي ما يقارب ثلث الزيادة العالمية المقدرة بنحو 3.2 مليون برميل يوميًا خلال الفترة نفسها.

ولا يرتبط هذا التوسع بالنقل الخاص فقط، إذ تدفع عمليات التصنيع والبناء والنقل الجوي والبري الطلب على مجموعة واسعة من المنتجات النفطية.

ومن المنتظر أن يمثل الديزل قرابة نصف الزيادة في الطلب الهندي على النفط حتى 2030، بينما قد ينمو استهلاك وقود الطائرات بمعدل سنوي متوسط يبلغ نحو 5.9%.

وتؤكد الأرقام السابقة سرعة تغير السوق الهندية، فقد ارتفع استهلاك النفط في البلاد بنسبة 11.6% بين 2019 و2024، بينما قفز استهلاك البنزين بنسبة 41.7%، بزيادة تعادل نحو 310 آلاف برميل يوميًا.

ومع استمرار توسع الصناعة والنقل، تعمل الهند أيضًا على زيادة قدراتها التكريرية لتلبية احتياجات السوق المحلية، ما يعزز موقعها كأحد أهم مراكز نمو الطلب العالمي على الطاقة.

ولا تقتصر التحولات على الهند، إذ تتجه دول جنوب شرق آسيا بدورها إلى لعب دور متزايد في سوق النفط العالمي.

فالنمو الاقتصادي، وارتفاع الدخول، وتسارع التحضر، وتوسع النشاط الصناعي كلها عوامل رفعت الطلب على النفط في المنطقة بنسبة 2.6% خلال 2024، وفق بيانات وكالة الطاقة الدولية.

أما أفريقيا، فتملك ميزة ديموغرافية طويلة الأجل، مع استمرار نمو عدد السكان وارتفاع نسبة الشباب واتساع المدن والأسواق الاستهلاكية. وخلال 2025، زاد استهلاك النفط في القارة بنحو 190 ألف برميل يوميًا.

Oil Price Forecast – Technical Breakdown Set Stage for a Move Toward $50 in  2026 | FXEmpire

وتعكس هذه الأرقام انقسامًا متزايدًا في خريطة الطلب العالمي؛ فبينما تتعامل أوروبا وأجزاء من شرق آسيا مع تحديات الشيخوخة وتراجع السكان، تستفيد مناطق أخرى من اتساع قاعدة السكان في سن العمل، وهو ما يدعم نمو النقل والصناعة والاستهلاك.

لكن مستقبل النفط لن يُحسم فقط في محطات الوقود، إذ يتغير تركيب الطلب نفسه مع صعود الصناعات البتروكيماوية.

وتشير وكالة الطاقة الدولية في تقريرها “النفط 2025” إلى أن البتروكيماويات مرشحة لتصبح المصدر الأكبر لنمو الطلب العالمي على النفط اعتبارًا من 2026.

وتُظهر التوقعات أن صناعة البوليمرات والألياف الصناعية قد تحتاج إلى نحو 18.4 مليون برميل يوميًا بحلول 2030، أي ما يعادل تقريبًا برميلًا واحدًا من كل ستة براميل من النفط.

وهذا يعني أن أهمية الخام لا تتحدد فقط بالوقود الذي يحرك السيارات، بل أيضًا بالمواد التي تدخل في تصنيع البلاستيك والعبوات والألياف والمنتجات الطبية والمواد الكيميائية والسلع الصناعية.

وبحسب تقديرات فورتشن بيزنس إنسايتس، بلغت قيمة سوق البتروكيماويات عالميًا نحو 674.7 مليار دولار في 2025، مع توقعات بارتفاعها إلى 702.9 مليار دولار في 2026.

وفي الوقت الذي تتسارع فيه عملية التحول إلى السيارات الكهربائية، يتغير أحد أهم مصادر الطلب التقليدي على النفط.

فقد تجاوزت مبيعات السيارات الكهربائية عالميًا 20 مليون سيارة خلال 2025، أي ما يقارب ربع إجمالي السيارات الجديدة المباعة، ما يعكس اتساع نطاق التحول بعيدًا عن محركات الاحتراق.

إلا أن هذا التحول لا يعني اختفاء النفط من صناعة السيارات، فالعديد من مكونات المركبات الكهربائية تعتمد على مواد بتروكيماوية، بما في ذلك الإطارات والمطاط الصناعي والرغوات المستخدمة في المقاعد والبوليمرات التي تدخل في تصنيع أجزاء متعددة من المقصورة.

وتشير دراسات قطاع السيارات إلى أن البلاستيك يمثل نحو 10% إلى 15% من وزن السيارة الحديثة، مع استخدامه في عدد كبير من المكونات.

وبالتالي، فإن السيارات الكهربائية قد تقلص الطلب على البنزين والديزل، لكنها لا تلغي ارتباط قطاع السيارات بصناعة النفط والبتروكيماويات.

وتقدم الصين والهند نموذجين مختلفين لمسار سوق النفط في الاقتصادات الكبرى.

فالصين تشهد تحولًا واضحًا في الطلب على وقود النقل بفعل انتشار السيارات الكهربائية، وتحسن كفاءة استهلاك الوقود، واتساع استخدام وسائل النقل الجماعي، وهو ما يحد من نمو استهلاك البنزين والديزل.

لكن هذا التراجع في بعض الاستخدامات يتزامن مع استمرار أهمية النفط بالنسبة إلى قطاع البتروكيماويات، الذي يحتاج إلى الخام كمادة أساسية لإنتاج البلاستيك والمواد الكيميائية.

في المقابل، لا تزال الهند في مرحلة توسع اقتصادي وصناعي تدفع الطلب على الوقود إلى مستويات أعلى، بدعم من التصنيع والتحضر وارتفاع ملكية السيارات ونمو الطيران والشحن.

ويكشف هذا الاختلاف أن مستقبل النفط لن تحدده الشيخوخة السكانية وحدها، بل سيعتمد بدرجة كبيرة على المرحلة الاقتصادية التي تمر بها كل دولة وطبيعة احتياجاتها الصناعية والاستهلاكية.

وفي ظل هذه المعطيات، تتوقع منظمة الدول المصدرة للبترول “أوبك”، وفق تقريرها “آفاق النفط العالمية 2026″، وصول الطلب العالمي على النفط إلى نحو 124 مليون برميل يوميًا بحلول 2050.

ويعني تحقيق هذا المستوى من الإمدادات الحاجة إلى استثمارات ضخمة في صناعة النفط، إذ تقدر أوبك الاحتياجات الاستثمارية للقطاع بنحو 17.7 تريليون دولار بين عامي 2026 و2050، أي أكثر من 700 مليار دولار سنويًا.

وتشير هذه التقديرات إلى أن مستقبل النفط لا يرتبط فقط بمن سيقود السيارة أو بعدد السيارات على الطرق، بل بمسار النمو الاقتصادي العالمي نفسه.

فالمستهلك الجديد للبرميل قد يكون مصنعًا في الهند، أو مدينة تتوسع في أفريقيا، أو طائرة تربط أسواق جنوب شرق آسيا، أو منشأة بتروكيماوية تنتج البلاستيك والمواد الصناعية.

وبذلك، فإن السؤال الحقيقي الذي يواجه صناعة النفط ليس فقط من سيجلس خلف عجلة القيادة بعد تقاعد جيل كامل من السائقين، وإنما أين سينمو الاقتصاد العالمي، وما الاستخدامات الجديدة التي ستحتاج إلى النفط خلال العقود المقبلة؟

 

 

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى