أفروباروميتر: 66% من المغاربة يرون عبور الحدود للعمل والتجارة أمراً صعباً

لا تبدو نظرة المغاربة إلى الهجرة والانفتاح على العالم محكومة باتجاه واحد، إذ تكشف أحدث بيانات استطلاع للرأي عن مواقف تجمع بين الرغبة في حرية أكبر للحركة والتجارة عبر الحدود، وبين مخاوف مرتبطة بسوق العمل وتأثير دخول الأجانب على الاقتصاد الوطني.
وتبرز هذه المفارقة في نتائج الجولة العاشرة من استطلاعات شبكة أفروباروميتر، التي أُجريت خلال عامي 2024 و2025 في 38 دولة إفريقية، حيث أظهرت أن المغاربة يميلون بقوة إلى تسهيل التنقل لأغراض العمل والتجارة، لكنهم في الوقت نفسه ينظرون بحذر إلى استقبال مزيد من العمال والمهاجرين القادمين من الخارج.
وأظهر الاستطلاع أن 63% من المغاربة يؤيدون حرية التنقل بين دول المنطقة من أجل العمل أو التجارة، مقابل 25% يفضلون فرض قيود على هذه الحركة بهدف حماية فرص العمل المتاحة للمواطنين.
وبهذه النتيجة، جاء المغرب في صدارة دول شمال إفريقيا الثلاث التي شملها الاستطلاع من حيث دعم حرية التنقل، متقدماً على تونس بنسبة 51% وموريتانيا بنسبة 30%.
لكن تأييد مبدأ حرية الحركة لا يعكس بالضرورة سهولة التنقل على أرض الواقع، إذ تكشف نتائج الاستطلاع عن فجوة واضحة بين ما يريده المغاربة وبين تجربتهم الفعلية مع الحدود.
فقد قال 21% فقط إن عبور الحدود بهدف العمل أو التجارة سهل أو سهل جداً، بينما وصف 66% هذه العملية بأنها صعبة أو صعبة جداً.
وتشير هذه النسب إلى أن ملف التنقل لا يرتبط فقط بالموقف من فتح الحدود، وإنما أيضاً بالعوائق والإجراءات التي قد تواجه الأشخاص الراغبين في الانتقال بين الدول بحثاً عن فرص اقتصادية أو تجارية.
وفي الوقت الذي يؤيد فيه أغلب المغاربة حرية الحركة، لا تزال فكرة مغادرة البلاد والاستقرار في الخارج حاضرة لدى شريحة من المجتمع.
وبحسب نتائج الاستطلاع، أفاد 16% من المغاربة بأنهم فكروا “كثيراً” في الانتقال للعيش في بلد آخر خلال 2024 و2025، مقابل 13% في استطلاع سابق أُجري بين عامي 2016 و2018.
وعند مقارنة هذه المعطيات بنتائج استطلاعات دولية أخرى أجرتها مؤسستا البارومتر العربي ولاتينوبارومترو، تصل نسبة المغاربة الذين فكروا في الهجرة إلى الخارج إلى 36%، وهي نسبة تتجاوز المتوسط المسجل في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، والبالغ 32%.
وتعكس هذه الأرقام استمرار حضور الهجرة كخيار محتمل لدى جزء من المغاربة، في ظل ارتباطها بعوامل اقتصادية واجتماعية، من بينها البحث عن فرص أفضل للعمل والدراسة وتحسين مستوى المعيشة.
ولا تتخذ مواقف المغاربة من الهجرة اتجاهاً موحداً عندما يتعلق الأمر باستقبال الوافدين إلى المملكة، إذ يختلف الموقف بحسب طبيعة الهجرة وتأثيراتها المتصورة.
فقد أبدى 78% من المغاربة قبولاً أو عدم ممانعة تجاه وجود المهاجرين والعمال الأجانب كجيران، بينما تراجعت النسبة إلى 56% عندما تعلق الأمر باللاجئين الفارين من العنف السياسي أو الاضطهاد.
ويظهر التحفظ بصورة أكبر عند الانتقال إلى الجانب الاقتصادي. إذ يرى 21% فقط أن دخول الأجانب إلى المغرب بهدف الإقامة والعمل يمثل أمراً إيجابياً للاقتصاد الوطني، وهي من أدنى النسب المسجلة بين الدول الإفريقية التي شملها الاستطلاع، ولا تقل عنها سوى جنوب إفريقيا بنسبة 17%.
أما بشأن أعداد الباحثين عن العمل القادمين من الخارج، فقد أيد 4% فقط زيادة العدد، بينما فضل 38% الإبقاء عليه عند مستواه الحالي، في حين دعا 45% إلى تقليله، وقال 6% إن المغرب ينبغي ألا يستقبل أي باحث عن عمل من الخارج.
وبالنسبة إلى اللاجئين، لم تتجاوز نسبة من يؤيدون الإبقاء على الأعداد الحالية أو زيادتها 35%، ما يعكس استمرار التحفظ تجاه توسيع نطاق استقبال الوافدين، رغم المستويات المرتفعة نسبياً من القبول الاجتماعي بالمهاجرين.
في المقابل، تبدو مواقف المغاربة أكثر انفتاحاً عندما يتعلق الأمر بالتجارة الخارجية.
وأظهر الاستطلاع أن 72% يفضلون أن يوسع المغرب علاقاته التجارية مع مختلف دول العالم، بينما يفضل 11% التركيز على التجارة مع الدول الإفريقية، في حين يرى 5% أن يكون النشاط التجاري محصوراً داخل المنطقة.
وتكشف هذه النتائج عن توجه واضح نحو الانفتاح الاقتصادي العالمي، حتى مع وجود تحفظات بشأن الهجرة وحركة العمال الأجانب.
وبذلك، ترسم نتائج الاستطلاع صورة لمجتمع لا يرفض الانفتاح على الخارج، بل يبدو مستعداً لتوسيع علاقاته التجارية والاستفادة من فرص التنقل، لكنه في المقابل أكثر حذراً عندما يتعلق الأمر بالمنافسة على فرص العمل وتأثير الهجرة على الاقتصاد والمجتمع.
وتضع هذه المفارقة ملف الهجرة والتنقل أمام معادلة دقيقة: رغبة في الوصول إلى فرص وأسواق خارجية من جهة، وحرص على حماية المصالح الاقتصادية والاجتماعية الداخلية من جهة أخرى، وهو ما يجعل مواقف المغاربة من الانفتاح والهجرة أكثر تعقيداً من مجرد التأييد أو الرفض.




