الاقتصادية

آبل وسامسونج منافسة في المتاجر وشراكة خلف الكواليس

في سوق الهواتف الذكية، تبدو المنافسة بين “آبل” و”سامسونج” واضحة للمستهلك منذ اللحظة الأولى، لكن خلف الأجهزة المعروضة في المتاجر توجد علاقة أكثر تعقيداً بكثير.

فالشركة الكورية التي تنافس “آيفون” بهواتف “جالاكسي” لا تكتفي بمواجهة “آبل” على مستوى المنتج النهائي، بل تشارك أيضاً في تصنيع مكونات أساسية تدخل في أجهزة منافستها الأمريكية.

وتزداد هذه المفارقة وضوحاً مع دخول “آبل” إلى سوق الهواتف القابلة للطي، إذ تشير تقارير حديثة إلى اعتماد الشركة الأمريكية على “سامسونج” لتوفير الشاشة القابلة للطي لهاتفها الجديد “آيفون ديو”.

وبذلك تجد “سامسونج” نفسها في موقع مزدوج: منافس يسعى إلى بيع هاتفه الخاص للمستهلك، ومورد يستفيد من بيع أحد أهم مكونات هاتف منافسه.

هذه العلاقة ليست جديدة، بل تعود إلى أكثر من عقد، عندما كانت الشركتان تخوضان واحدة من أعنف المواجهات القانونية والتجارية في تاريخ صناعة التكنولوجيا.

في أغسطس عام 2012، كانت “آبل” و”سامسونج” في قلب نزاع قضائي واسع حول براءات الاختراع، بالتزامن مع اشتداد المنافسة بين “آيفون” و”جالاكسي”. وفي الوقت الذي كانت فيه الشركتان تتواجهان أمام القضاء وتتسابقان على جذب المستهلكين، كانت مصانع “سامسونج” تنتج بالفعل مكونات تدخل في أجهزة “آيفون”.

وخلال المحاكمة الشهيرة، كشف كبير محامي “سامسونج” آنذاك أن مكونات الشركة الكورية كانت تمثل نحو 26% من تكلفة مكونات “آيفون”.

وكان هذا التداخل بين المنافسة والتعاون نتيجة طبيعية لطبيعة مجموعة “سامسونج”، التي تضم أعمالاً منفصلة للهواتف والمكونات الإلكترونية. فبينما كانت وحدة الهواتف تحاول منافسة “آبل”، كانت وحدات أخرى تبيع للشركة الأمريكية شاشات ورقائق وذواكر.

وقد وصف هذا الفصل بين المصالح في تقارير آنذاك بأنه أشبه بـ”جدار داخلي”، يسمح لكل نشاط بالعمل وفق مصالحه التجارية الخاصة، بعيداً عن المنافسة المباشرة بين منتجات الشركتين.

وبعد نحو 14 عاماً، لم تختفِ هذه المعادلة، بل أصبحت أكثر تطوراً مع اتساع نطاق المكونات التي تعتمد عليها “آبل” من الشركات الآسيوية الكبرى.

مع كشف “آبل” عن أول هاتف قابل للطي يحمل اسم “آيفون ديو”، وبسعر يبدأ من 1999 دولاراً، انتقلت العلاقة بين الطرفين إلى مستوى أكثر إثارة للاهتمام.

فبحسب تقارير حديثة، ستكون “سامسونج” المورد الرئيسي للشاشة القابلة للطي المستخدمة في الجهاز، ما يعني أن أحد أبرز عناصر التصميم الجديد يأتي من الشركة التي تعد من أبرز منافسي “آبل” في سوق الهواتف الذكية.

وأشارت تسريبات نشرها “إنستانت ديجيتال” إلى أن قيمة الشاشة تبلغ نحو 250 دولاراً للوحدة، مع حديث عن عقد توريد حصري يمتد لثلاث سنوات. غير أن هذه الأرقام وشروط العقد لم تؤكد رسمياً من جانب “آبل” أو “سامسونج”، وبالتالي تبقى ضمن نطاق المعلومات غير المؤكدة.

لكن حتى مع التحفظ على التفاصيل المالية، فإن اعتماد “آبل” على منافستها في مكوّن رئيسي يعكس عمق العلاقة الصناعية بين الطرفين.

ولا تبدو الشاشة القابلة للطي حالة منفردة ضمن سلسلة توريد “آيفون”، إذ تمتد العلاقة إلى شاشات الهواتف التقليدية والذواكر وغيرها من المكونات.

وتظهر بيانات شركة “أومديا” المنشورة في أبريل أن “سامسونج ديسبلاي” وفرت 56.8% من مشتريات “آبل” من شاشات “آيفون” خلال عام 2025، بعدما بلغت شحناتها نحو 141.6 مليون لوحة.

وتأتي هذه النسبة مقارنة مع 49.1% في عام 2024، عندما وصلت شحنات “سامسونج ديسبلاي” إلى نحو 122.3 مليون لوحة.

وتشير هذه الأرقام إلى أن حضور “سامسونج” في سلسلة توريد شاشات “آيفون” ازداد خلال عام واحد، رغم سياسة “آبل” القائمة على تنويع مورديها وعدم الاعتماد على شركة واحدة في المكونات الرئيسية.

كما تمتد العلاقة إلى الذاكرة، إذ تشير تقديرات إلى أن “سامسونج” وفرت نحو 60% إلى 70% من ذواكر هواتف “آيفون 17” خلال أواخر عام 2025.

وبالتالي، فإن حضور الشركة الكورية في منظومة “آيفون” لا يقتصر على تقنية العرض، وإنما يمتد أيضاً إلى مكونات إلكترونية أساسية أخرى.

وتؤكد البيانات الرسمية جانباً آخر من العلاقة التجارية بين الطرفين.

ففي التقرير السنوي لـ”سامسونج” لعام 2025، تظهر “آبل” ضمن أكبر خمسة عملاء للمجموعة الكورية، فيما تكشف قائمة الموردين المنشورة رسمياً من جانب “آبل” عن وجود “سامسونج” وشركات تابعة لها ضمن سلسلة التوريد.

ولا تكشف “سامسونج” عن حجم مشتريات “آبل” بشكل منفصل، إذ تشير البيانات إلى أن أكبر خمسة عملاء للمجموعة شكلوا مجتمعين نحو 15% من إجمالي المبيعات.

وفي أغسطس 2025، ظهر وجه جديد للتعاون بين الشركتين، بعدما أعلنت “آبل” عن تعاون مع “سامسونج” في مصنع أوستن بولاية تكساس لإطلاق تقنية جديدة لتصنيع الرقائق، تستهدف تحسين استهلاك الطاقة والأداء في منتجات تشمل “آيفون”.

وهكذا، فإن العلاقة لم تعد مرتبطة بمكوّن واحد أو عقد توريد منفرد، وإنما أصبحت تمتد عبر حلقات مختلفة من سلسلة صناعة الأجهزة الإلكترونية.

ويطرح الحديث عن شاشة تبلغ قيمتها 250 دولاراً سؤالاً آخر حول حجم القيمة التي تحصل عليها “سامسونج” من كل هاتف “آيفون ديو”.

فإذا صحت هذه التكلفة، فإنها تعادل نحو 12.5% من سعر الهاتف البالغ 1999 دولاراً. لكن ذلك لا يعني أن “سامسونج” تحقق ربحاً قدره 250 دولاراً من كل جهاز، كما لا يمكن اعتبار المبلغ نفسه حصة من أرباح “آبل”.

فالسعر الذي تدفعه “آبل” مقابل المكوّن يتضمن تكاليف التصنيع والمواد والاستثمارات وهوامش المورد، في حين أن السعر الذي يدفعه المستهلك مقابل الهاتف يشمل مجموعة واسعة من عناصر التكلفة والقيمة المضافة.

وفي عام 2025، سجلت “سامسونج ديسبلاي” إيرادات بلغت 29.8 تريليون وون، بما يعادل نحو 21.9 مليار دولار، وحققت ربحاً تشغيلياً بلغ 4.1 تريليون وون، بهامش تشغيلي قدره 13.8% على مستوى النشاط ككل.

لكن هذه الأرقام لا تسمح بتحديد هامش الربح الخاص بالشاشة القابلة للطي التي يفترض أن تستخدمها “آبل”، إذ لا تنشر الشركة بيانات تفصيلية عن ربحية كل مكوّن أو عقد.

وفي الجانب الآخر، سجلت “آبل” هامشاً إجمالياً لمنتجاتها بلغ 40.1% في الربع المنتهي في 27 يونيو 2026، بينما وصلت مبيعات “آيفون” إلى 54.252 مليار دولار.

ومع ذلك، لا تفصل “آبل” هامش الربح الخاص بالهاتف عن بقية منتجاتها، كما أن عدم وجود بيانات تشغيلية مستقلة لـ”آيفون ديو” يجعل أي محاولة لحساب مقدار الربح الذي تخلقه الشاشة أو تستحوذ عليه “سامسونج” مجرد تقدير غير موثوق.

ورغم القوة الصناعية التي تتمتع بها “سامسونج”، فإن امتلاك القدرة على إنتاج مكوّن متقدم لا يعني تلقائياً السيطرة على القيمة الاقتصادية الأكبر في المنتج النهائي.

فالشركة الكورية تمتلك خبرة واسعة في تصنيع شاشات “أوليد” والذواكر والرقائق، كما تتمتع بقدرة إنتاجية ضخمة تجعلها مورداً يصعب استبداله بسرعة في بعض المجالات.

لكن بيانات شاشات “آيفون” نفسها تظهر أن 43.2% من مشتريات “آبل” في عام 2025 جاءت من موردين آخرين، ما يؤكد استمرار تنويع سلسلة التوريد.

وفي المقابل، تمتلك “آبل” عناصر أخرى من سلسلة القيمة، تبدأ من تصميم المنتج وهندسته، مروراً بتطوير المعالجات والبرمجيات ونظام التشغيل، وصولاً إلى التطبيقات والتوزيع والعلامة التجارية وقوة التسعير.

وهنا تكمن إحدى أهم قواعد صناعة التكنولوجيا: الشركة التي تصنع المكوّن ليست بالضرورة الشركة التي تحصل على أكبر قدر من القيمة التي يولدها المنتج النهائي.

فـ”سامسونج” قد تصنع شاشة متطورة يصعب إنتاجها على نطاق واسع، لكن “آبل” هي التي تدمج هذه الشاشة مع باقي مكونات الهاتف ونظام التشغيل والتصميم والمنظومة الرقمية، ثم تطرح المنتج باعتباره تجربة متكاملة للمستهلك.

ما يحدث بين “آبل” و”سامسونج” يقدم نموذجاً واضحاً لطبيعة المنافسة في صناعة التكنولوجيا الحديثة.

فالشركتان تتنافسان مباشرة على المستهلك في سوق الهواتف، لكنهما لا تتنافسان بالضرورة في كل حلقة من حلقات سلسلة القيمة. وفي بعض المجالات، يمكن أن تكون إحداهما عميلاً رئيسياً للأخرى، حتى عندما تتواجه منتجاتهما في المتاجر.

وهذه المعادلة تمنح “سامسونج” فرصة للاستفادة من الطرفين. فإذا نجحت هواتف “جالاكسي” القابلة للطي، تستفيد الشركة من مبيعات أجهزتها، وإذا زاد الطلب على “آيفون ديو”، فإن وحدات المكونات التابعة لها يمكن أن تستفيد من زيادة مبيعات الشاشات.

أما “آبل”، فتستفيد من الوصول إلى قدرات صناعية متقدمة دون الحاجة إلى تصنيع كل مكونات الهاتف داخلياً.

وبعد أكثر من عقد على معارك براءات الاختراع، يبدو أن العلاقة بين “آبل” و”سامسونج” أصبحت مثالاً على كيفية عمل سلاسل التوريد العالمية في قطاع التكنولوجيا.

فليس ضرورياً أن تكون الشركة منافساً أو شريكاً فقط؛ إذ يمكن أن تكون الاثنين في الوقت نفسه، بحسب المنتج والنشاط والحلقة التي تعمل فيها داخل سلسلة القيمة.

ومن هنا، فإن وجود مكونات “سامسونج” داخل “آيفون” لا يعني أن الهاتف منتج “سامسونج”، كما أن اعتماد “آبل” على مورد كوري لا يلغي قدرتها على التحكم في تصميم وتجربة المنتج النهائي.

المفارقة الحقيقية أن نجاح الشركتين يمكن أن يتقاطع في الجهاز نفسه: “سامسونج” تنافس “آبل” على الهاتف، بينما قد تستفيد من مبيعات الهاتف ذاته من خلال بيع مكون أساسي فيه.

وهذه ليست قصة عن شركة تصنع نجاح منافستها، بقدر ما هي نموذج لكيفية توزيع القيمة في صناعة التكنولوجيا، حيث يمكن للمنافسين أن يتصارعا على المستهلك النهائي، بينما يتعاونان في الوقت نفسه داخل المصانع وسلاسل الإمداد.

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى