اقتصاد المغربالأخبار

يدفعون “السميك” وينتظرون المعجزات.. مصانع الكابلاج تتباكى على ندرة العمال

لم تعد الإعلانات الكلاسيكية ولا منصات التوظيف الرقمية كافية لتأمين احتياجات المصانع في عاصمة البوغاز، حيث تحولت فضاءات الجمعيات المحلية ومراكز التدريب المهني في طنجة إلى وجهة غير تقليدية لمسؤولي الموارد البشرية، الذين باتوا يتنقلون ميدانياً لإقناع الشباب بالالتحاق بخطوط الإنتاج، في مشهد يجسد مفارقة اقتصادية واجتماعية غامضة تجمع بين شبح البطالة المرتفعة وعزوف اليد العاملة.

هذا الوضع المعقد وغير المسبوق دفع بالعديد من الشركات والوحدات الإنتاجية إلى تغيير استراتيجيات التوظيف التقليدية، والنزول إلى الميدان عبر طرق أبواب الجمعيات المحلية ومراكز الوساطة الاجتماعية، في محاولة لإقناع الشباب بالفرص المتاحة وتأمين الموارد البشرية اللازمة، خاصة مع دخول فصل الصيف الذي يمثل ذروة الضغط الإنتاجي والاستهلاكي، وتحول فيه العامل المؤهل إلى “عملة نادرة” تتنافس عليها المصانع.

وتشير معطيات من قلب مراكز الوساطة والتكوين بطنجة إلى أن هذه المؤسسات تتلقى بانتظام عروض شغل جماعية من وحدات صناعية تطالب بتوفير مئات العمال والعاملات دفعة واحدة، غير أن تعبئة هذا العدد من المترشحين باتت مهمة شبه مستحيلة، رغم طوابير الشباب الذين يعلنون بحثهم اليومي عن لقمة العيش، وهو ما يطرح علامات استفهام كبرى حول أسباب هذا العزوف الجماعي عن قطاعات كانت تاريخياً تشكل البوابة الأولى لإدماج الشباب في الحياة المهنية.

وترى قراءات سوسيولوجية واقتصادية أن جذور الأزمة تعود بالأساس إلى ضعف الجاذبية المادية وشروط السير العام داخل هذه المصانع، حيث تصر العديد من الشركات على تقديم أجور تدور في فلك الحد الأدنى القانوني للأجور، وهو المقابل الذي بات غير منسجم تماماً مع قفزات التضخم وارتفاع تكلفة المعيشة بمدينة طنجة خلال السنوات الأخيرة، ما يجعل الشباب ينظرون إلى هذه الوظائف كجهد بدني شاق لا يضمن العيش الكريم.

ولا تتوقف معوقات الجذب عند حدود الرواتب الهزيلة، بل تمتد إلى البيئة المهنية داخل الوحدات الصناعية، والتي تتميز بالإيقاع السريع، وساعات العمل الطويلة، والضغط النفسي والبدني المرتبط ببلوغ أهداف الإنتاج اليومية، فضلاً عن نظام العمل الليلي المستمر دون تحفيز مالي ملموس، وهي عوامل مجتمعة أفقدت قطاع صناعة السيارات والأنسجة بريقه القديم، ودعمت توجه الشباب نحو خيارات بديلة في القطاعات غير المهيكلة أو المهن الحرة، بحثاً عن مرونة أكبر وعائد مادي أفضل.

أمام هذا الواقع المأزوم، يرى خبراء ومتابعون للشأن الاقتصادي أن سد هذه الفجوة يفرض على المنظومة الصناعية إعادة النظر في نموذجها التحفيزي، فلم يعد كافياً المراهنة على حاجة الشباب للعمل للقبول بظروف مهنية قاسية، بل أضحى من الضروري مراجعة هيكلة الأجور، وتحسين بيئة العمل الداخلية، وتقديم حوافز مادية حقيقية ترتبط بنظام الساعات الإضافية والعمل الليلي.

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى