موجة تصفيات تضرب صناديق الاستثمار الصينية بأسرع وتيرة في 8 سنوات

تواجه صناعة صناديق الاستثمار المشتركة في الصين موجة متسارعة من عمليات الإغلاق والتصفية، مع تزايد الضغوط الناتجة عن ضعف العوائد وتراجع شهية المستثمرين، ما يدفع عشرات الشركات إلى إنهاء منتجات استثمارية صغيرة لم تعد قادرة على الحفاظ على قاعدة أصول كافية.
ووفق بيانات جمعتها «بلومبرغ»، جرى إنهاء نحو 256 صندوقًا مطروحًا للاكتتاب العام منذ بداية العام، فيما تلقى المستثمرون في 46 صندوقًا آخر تحذيرات بشأن إمكانية تصفيتها خلال الفترة المقبلة. ويضع ذلك عدد الصناديق المهددة بالإغلاق فوق حاجز 300 منتج قبل نهاية العام، وهو مستوى لم تشهده السوق منذ موجة الإصلاحات الواسعة التي ضربت القطاع في 2018.
وتأتي هذه التطورات بعد سنوات من التوسع الكبير في إطلاق الصناديق، مدفوعًا برغبة السلطات الصينية في توجيه جزء أكبر من مدخرات الأسر نحو أسواق المال. إلا أن ضعف أداء الأسواق وتراجع تدفقات المستثمرين قلّصا جاذبية العديد من المنتجات، لتجد صناديق صغيرة نفسها أمام عمليات استرداد متواصلة وضغوط متزايدة على السيولة.
يرى عاملون في القطاع أن المنتجات التي تعاني من قاعدة محدودة من المستثمرين أو تتراجع باستمرار أمام مؤشرات القياس أصبحت أكثر صعوبة من حيث التكاليف والجدوى التشغيلية.
وقال تشن زوندي، مدير صندوق لدى «غوانغدونغ فاند إنفستمنت»، إن الصناديق شديدة الصغر أو التي تضم عددًا محدودًا من المستثمرين تواجه صعوبة متزايدة في تبرير استمرارها، خصوصًا مع تراجع الإقبال على المخاطرة خلال الأشهر الأخيرة.
وتنص القواعد التنظيمية الصينية على ضرورة تقديم مديري الصناديق مقترحات للجهات الرقابية بشأن معالجة وضع الصندوق، بما في ذلك التصفية، عندما تبقى صافي أصوله دون 50 مليون يوان لمدة 60 جلسة تداول متتالية. وتشير بيانات «بلومبرغ» إلى أن غالبية الصناديق التي جرى إغلاقها هذا العام وقعت ضمن هذه الفئة.
كما أظهرت بيانات «تشاينا سيكيوريتيز إندكس» أن مؤشر صناديق الأسهم النشطة سجل عائدًا سنويًا سلبيًا بنسبة 0.8% على مدى خمس سنوات، رغم ارتفاعه بنحو 3.6% خلال العام الجاري، ما يعكس الفجوة بين الأداء قصير الأجل والنتائج طويلة الأمد.
بدأت الأسهم الصينية العام بأداء قوي، مدفوعة بآمال تحسن الاقتصاد والاستفادة من الطفرة العالمية في الذكاء الاصطناعي، لكن الزخم تراجع لاحقًا مع اشتداد المنافسة في قطاع التكنولوجيا واستمرار ضعف الاستهلاك المحلي.
وخلال 2026، تراجع مؤشر «سي إس آي 300» بنحو 6%، بينما تقلصت مكاسب مؤشر «ستار 50» الذي يضم شركات تكنولوجية ورقائق إلكترونية إلى نحو 14%.
ويرى محللون أن المشكلة لا ترتبط فقط بأداء الأسواق، بل أيضًا بسلوك المستثمرين الأفراد، الذين يميل بعضهم إلى دخول الصناديق بعد فترات من الأداء القوي ثم الخروج سريعًا عند تغير اتجاه السوق، بدلًا من الاحتفاظ بالاستثمارات لفترات طويلة.
في الوقت الذي تتجه فيه صناديق عديدة إلى التصفية، لا تزال السوق الصينية تشهد تدفق منتجات جديدة. فقد وصل عدد الصناديق العامة إلى 14,585 منتجًا بنهاية أغسطس، بزيادة تتجاوز 10% على أساس سنوي.
ويزيد هذا التوسع من حدة المنافسة داخل قطاع يعاني أصلًا من تشابه كبير بين المنتجات. كما اضطرت بعض الجهات إلى تأجيل المواعيد النهائية لجمع الأموال لصناديق جديدة بسبب ضعف الطلب، بحسب تقارير إعلامية محلية.
وتعود بعض جذور موجة التصفية الحالية إلى مبادرة أُطلقت في 2023 لتشجيع شركات إدارة الأصول على الاستثمار في منتجاتها الخاصة ودعم الثقة بالسوق. وبموجب القواعد المرتبطة بهذه المنتجات، يمكن أن تواجه الصناديق الإنهاء إذا لم تتمكن أصولها من تجاوز عتبة 50 مليون يوان بعد ثلاث سنوات من إطلاقها.
وبحسب تقديرات محللين، قد تكون هذه القاعدة وراء نحو 100 عملية تصفية خلال العام الجاري، ما يزيد من حجم موجة إعادة هيكلة القطاع.
ويرى متخصصون أن كثرة المنتجات المتشابهة أصبحت تحديًا رئيسيًا أمام الصناعة، إذ لا تقدم بعض الصناديق الجديدة اختلافًا واضحًا عن الخيارات الموجودة أصلًا، ما يجعل جذب المستثمرين والاحتفاظ بهم أكثر صعوبة في بيئة تتسم بتقلبات الأسواق وتراجع شهية المخاطرة.




