مضيق هرمز يفرض فاتورة جديدة على تجارة النفط.. 20 مليون دولار لعبور ناقلة عملاقة

تتزايد كلفة المخاطر الجيوسياسية في سوق النفط العالمي مع استمرار اضطرابات الملاحة في مضيق هرمز، إذ لم يعد تأثير التوترات مقتصرًا على حركة السفن، بل امتد إلى أسعار الشحن والتأمين وقيمة الصفقات النفطية، ليضيف طبقة جديدة من التكاليف إلى تجارة الخام والوقود.
وتعيد التطورات الحالية إلى الواجهة ذكريات «حرب الناقلات» خلال ثمانينيات القرن الماضي، عندما تعرضت مئات السفن للهجمات خلال الحرب العراقية الإيرانية.
ورغم ذلك، لم تتوقف تجارة النفط بصورة كاملة، بل لجأت الأسواق إلى آليات للتكيف، من بينها رفع أقساط التأمين، وزيادة أجور الناقلات، وتوفير ترتيبات حماية للسفن وتغيير بعض مسارات الشحن.
لكن الفارق هذه المرة يتمثل في حجم التكلفة التي باتت تتحملها الشركات، بعدما اقتربت تكلفة رحلة ناقلة نفط عملاقة عبر مضيق هرمز والعودة من 20 مليون دولار، ما يعكس القفزة الكبيرة في تسعير المخاطر.
كشف باتريك بويانيه، رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لشركة «توتال إنرجيز»، أن تكلفة إرسال ناقلة عملاقة من فئة VLCC عبر مضيق هرمز ثم عودتها تصل إلى نحو 20 مليون دولار.
وتستطيع الناقلة من هذه الفئة حمل ما يقارب مليوني برميل من النفط الخام، ما يعني أن تكلفة النقل والمخاطر تعادل قرابة 10 دولارات لكل برميل.
ولا تمثل هذه القيمة رسومًا تفرضها السلطات على حركة السفن، وإنما هي حصيلة ارتفاع أجور الناقلات، وتكاليف التأمين ضد مخاطر الحرب، ونقص السفن المستعدة لدخول المناطق عالية المخاطر، إلى جانب احتمالات التأخير أو تعرض السفينة لأضرار.
وبذلك، تحولت المخاطر الأمنية من عامل خارجي يؤثر في قرارات شركات الشحن إلى عنصر مالي مباشر يدخل في حساب تكلفة كل شحنة.

تكشف مستويات أسعار الشحن الحالية مدى التغير الذي طرأ على السوق خلال الفترة الأخيرة.
ففي يناير 2025، بلغت تكلفة نقل شحنة نفط من الخليج العربي إلى الصين نحو 4.1 مليون دولار، بينما أصبحت تكلفة عبور هرمز والعودة تقترب من 20 مليون دولار حاليًا.
ولا تعكس هذه المقارنة فرقًا محاسبيًا دقيقًا، نظرًا لاختلاف الرحلات وأحجام السفن وشروط العقود، لكنها توضح بصورة عامة حجم الزيادة التي فرضتها المخاطر الجيوسياسية على سوق النقل البحري.
| المسار أو المؤشر | التكلفة التقريبية | الفترة |
|---|---|---|
| الخليج العربي إلى الصين | 4.1 مليون دولار للشحنة | يناير 2025 |
| الخليج العربي إلى الصين | أكثر من 170 ألف دولار يوميًا | فبراير 2026 |
| خليج المكسيك إلى الصين | 17.3 مليون دولار للرحلة | فبراير 2026 |
| عبور هرمز والعودة | نحو 20 مليون دولار | أغسطس 2026 |
أفرزت اضطرابات الملاحة وضعًا غير معتاد في سوق النفط، إذ يمكن أن يباع الخام في مناطق الإنتاج بخصم كبير، في الوقت الذي ترتفع فيه تكلفة إيصاله إلى الأسواق المستهلكة.
وكان مضيق هرمز يمرر نحو 21.6 مليون برميل يوميًا من النفط والسوائل النفطية خلال الربع الأخير من 2025، قبل أن ينخفض متوسط التدفقات إلى نحو 4.9 مليون برميل يوميًا في الربع الثاني من 2026.
وأوضح بويانيه أن بعض المنتجين يعرضون الخام بأسعار تتراوح بين 50 و60 دولارًا للبرميل نتيجة ارتفاع تكلفة الرحلات، في وقت تجاوز فيه سعر خام برنت مستوى 90 دولارًا خلال الفترة التي أدلى فيها بتصريحاته.
وبصورة مبسطة، فإن شراء برميل بسعر 55 دولارًا وإضافة 10 دولارات للنقل والمخاطر يرفع التكلفة إلى 65 دولارًا. لكن هذا الفارق لا يمثل بالضرورة ربحًا صافياً، إذ تتداخل عوامل أخرى مثل جودة الخام وموقع الشحنة وتكاليف التمويل والتحوط.
في الجانب الآخر من المعادلة، استفاد مالكو ناقلات النفط من الارتفاع الكبير في الطلب على السفن القادرة على العمل في بيئة عالية المخاطر.
وفي 18 أغسطس، بلغ سعر نقل النفط من عُمان إلى الصين نحو 140 ألف دولار يوميًا، بينما قُدّر هامش الناقلة بحوالي 110 آلاف دولار يوميًا، مقارنة بنحو 30 إلى 40 ألف دولار لمسار مماثل قبل الحرب.
ولم يقتصر الارتفاع على أجور الشحن، إذ شهدت سوق التأمين قفزة مماثلة.
ووفق بيانات شركة «مارش»، تراوحت علاوة التأمين الإضافية الخاصة بمخاطر الحرب في مضيق هرمز خلال يوليو بين 7.5% و10% من قيمة هيكل السفينة، مقابل نطاق تراوح بين 1% و3% قبل أسابيع.
وهكذا أصبحت تكلفة المخاطر موزعة على أطراف متعددة؛ فالمنتج قد يضطر إلى خفض سعر الخام لجذب المشترين، بينما يحصل مالك الناقلة على أجرة أعلى، وتزيد شركات التأمين تكلفة التغطية.

لا تبدو جميع أسواق الطاقة قادرة على تحمل هذه الزيادة في التكاليف بالدرجة نفسها.
فالمنتجات النفطية المكررة، مثل البنزين والديزل ووقود الطائرات، تواجه ضغوطًا أكبر، خصوصًا أن نقلها يعتمد غالبًا على سفن أصغر، ما يجعل تكلفة الشحن لكل برميل أكثر تأثيرًا في اقتصاديات التجارة.
وقدّر بويانيه أن تكلفة نقل المنتجات المكررة قد تصل إلى نحو 50 دولارًا للبرميل، وهو مستوى يمكن أن يجعل بعض الشحنات غير مجدية اقتصاديًا.
وتظهر بيانات السوق بالفعل تراجع واردات آسيا من المقطرات الخفيفة والمتوسطة إلى نحو 5.59 مليون برميل يوميًا في أغسطس، بانخفاض 21% عن متوسط الأشهر الثلاثة التي سبقت الحرب.
وفي المقابل، قفز هامش إنتاج الغازويل في سنغافورة إلى 71.29 دولار للبرميل في 21 أغسطس، مرتفعًا 226% مقارنة بمستواه في 27 فبراير.
وهذا يعني أن تأثير اضطرابات هرمز قد يكون أكثر وضوحًا في أسواق الوقود المكرر منه في سوق الخام نفسه.
رغم ضخامة الأرقام المتداولة، لا تزال الصورة الكاملة لحركة النفط عبر مضيق هرمز غير واضحة، بسبب توقف بعض السفن عن تشغيل أجهزة التتبع واعتماد شركات الشحن على ترتيبات ومسارات مختلفة لتقليل المخاطر.
وتشير بعض التقديرات إلى أن التدفقات الخارجة من المضيق تبلغ نحو 5 ملايين برميل يوميًا، بينما تحدث وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت عن تسجيل تدفقات وصلت في إحدى الفترات إلى نحو 15 مليون برميل يوميًا.
ومن ثم، ستعتمد تداعيات الأزمة بدرجة كبيرة على مدة استمرار انخفاض حركة العبور.
إذا استعادت التدفقات مستوياتها المرتفعة، فقد تتراجع علاوات المخاطر تدريجيًا وتصبح تكلفة الشحن الحالية ظاهرة مؤقتة.
أما إذا استقرت التدفقات عند مستويات تتراوح بين 5 و7 ملايين برميل يوميًا، فمن المرجح أن تظل خصومات الخام وأجور الناقلات المرتفعة وتكاليف التأمين جزءًا أساسيًا من السوق.
تكشف أزمة مضيق هرمز أن المخاطر الجيوسياسية لا تؤدي بالضرورة إلى توقف تجارة النفط، لكنها تستطيع إعادة توزيع تكاليفها وأرباحها بين المنتجين والناقلين وشركات التأمين والتجار.
وكما حدث خلال «حرب الناقلات»، يحاول السوق إيجاد طرق لاستمرار تدفق الخام، لكن هذه المرة بتكلفة أعلى بكثير. فالمنتجون يتحملون جزءًا من الصدمة عبر تقديم خصومات، في حين يستفيد مالكو الناقلات وشركات التأمين من ارتفاع تكلفة المخاطر.
غير أن قدرة السوق على امتصاص الصدمة ليست مفتوحة بلا حدود. فإذا أصبحت تكلفة نقل البرميل مرتفعة إلى درجة تجعل الرحلة غير مربحة، فلن يكون رفع أجور الشحن كافيًا وحده للحفاظ على تدفق التجارة.
ولهذا قد لا تظهر التكلفة الكاملة لأزمة هرمز في سعر خام برنت مباشرة، إذ يمكن أن تتوزع بين خصومات على الخام، وأجور نقل مرتفعة، وأقساط تأمين أكبر، ثم ارتفاع في أسعار الوقود النهائي.
وفي النهاية، فإن فاتورة الـ20 مليون دولار لا تعني أن نقل النفط عبر هرمز أصبح مستحيلًا، لكنها تؤكد حقيقة جديدة في سوق الطاقة: لم يعد سعر البرميل وحده هو العامل الحاسم، بل أصبح موقعه وطريق وصوله إلى المستهلك جزءًا أساسيًا من قيمته الاقتصادية.




