فوضى الأثمنة بين الأحياء.. من يضبط بوصلة السلع الأساسية في الأسواق المغربية؟

لم يعد غلاء المعيشة هو الهاجس الوحيد الذي يؤرق بال المواطن المغربي، بل انضافت إليه معضلة “عشوائية الأسعار” التي تحولت إلى لغز يومي محير.
فحين يلج المستهلك سوقاً في حي شعبي، ثم ينتقل إلى متجر في حي مجاور لا يبعد عنه سوى بضع مئات من الأمتار، يجد نفسه أمام فروقات سعرية شاسعة لنفس السلع والمنتجات الأساسية وبذات الجودة، وهي مفارقة صارخة لم تعد مجرد فوارق بسيطة في هوامش الربح، بل تحولت إلى عبء حقيقي يثقل كاهل الأسر ويستنزف قدرتها الشرائية المنهكة، مما يضعنا أمام تساؤل جوهري حول من يتحكم فعلياً في بوصلة الأسواق.
وخلف هذا التفاوت غير المفهوم، تقف سلسلة توريد معقدة أشبه بـ “الثقب الأسود” الذي يبتلع الشفافية، حيث تبدأ الرحلة من أسواق الجملة لتمر عبر شبكة متداخلة من الوسطاء والمضاربين الذين يرفعون الأسعار في كل محطة، ولا تتوقف المسألة عند هذا الحد، بل إن التاجر الصغير في نهاية المطاف يجد نفسه محاصراً بتكاليف لوجستية متفاوتة تشمل مصاريف النقل المتغيرة تبعاً للمسافات، وسومة كراء المحلات التي تشهد ارتفاعاً صارخاً في الأحياء الراقية مقارنة بالهوامش، بالإضافة إلى تكاليف التدبير اليومي والكهرباء والضرائب .
وهي منظومة معقدة تجعل المستهلك العادي في مواجهة مباشرة مع فاتورة نهائية “مزاجية” لمنتج واحد.
ورغم أن القوانين الحالية تبنت خيار “تحرير الأسعار” لفتح باب المنافسة المشروعة، إلا أن التطبيق على أرض الواقع يواجه انزلاقات خطيرة يتضح جلياً من خلالها غياب “ثقافة إشهار الأسعار” في الكثير من محلات البيع بالتقسيط، مما يترك الباب موارباً للاجتهادات الشخصية وجشع بعض المضاربين، يضاف إلى ذلك ضعف ثقافة المقارنة لدى شريحة واسعة من المستهلكين مما يساهم في تكريس هذا الوضع غير المتوازن .
في وقت تسجل فيه المواد الأساسية المكونة للقفة اليومية للمغاربة تقلبات تثير الاستغراب في مسالك التوزيع مستغلةً غياب الرقابة الصارمة والمستمرة في بعض النقاط، وهو ما يضع مصالح المراقبة المختصة وجمعيات حماية المستهلك أمام مسؤولية تاريخية لضمان شفافية أكبر في الأسعار.
إن مواجهة غلاء المعيشة ومحدودية الدخل لا تتطلب فقط مقاربة زجرية من طرف السلطات، بل تستدعي بالأساس يقظة استهلاكية وتحفيز المواطن ليصبح “رقيباً أول” على مشترياته عبر مقارنة الأثمنة بين المحلات ونبذ الأماكن التي تبالغ في الهوامش، مع المطالبة القانونية بالفاتورة أو وصل الشراء لتوثيق أي تجاوز والتبليغ عن المضاربات الصارخة، إذ في النهاية لن تستقيم بوصلة السوق ولن تتراجع الأسعار غير المبررة إلا بوعي جماعي يرفض الرضوخ للأمر الواقع، وبحضور قوي وفعال لجمعيات المستهلك لإعادة التوازن والإنصاف إلى الأسواق.




