طفرة تشغيل المصافي الأمريكية تهدد بإشعال أزمة وقود جديدة

في الوقت الذي تتسابق فيه الأسواق العالمية لتعويض النقص المتزايد في إمدادات الوقود، تدفع هوامش الأرباح المرتفعة المصافي الأمريكية إلى العمل بالقرب من أقصى طاقتها، في أداء استثنائي قد يوفر دعماً مؤقتاً للسوق، لكنه ينذر في الوقت نفسه بمخاطر أكبر إذا استمرت المنشآت في تأجيل أعمال الصيانة.
وخلال الأسابيع الماضية، استفادت شركات التكرير الأمريكية من ارتفاع الطلب والأسعار، وفضلت الحفاظ على معدلات تشغيل مرتفعة بدلاً من إيقاف وحداتها لإجراء أعمال الصيانة الدورية.
وبحسب بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، تجاوزت معدلات تشغيل المصافي 95% من الطاقة الإنتاجية لمدة 12 أسبوعاً متواصلاً، في أطول فترة من نوعها منذ أكثر من ربع قرن، ما يعكس حجم الضغوط التي تواجهها السوق العالمية وحجم الحافز الذي يدفع المصافي إلى مواصلة الإنتاج.
ساهمت هذه الوتيرة في رفع متوسط إنتاج المصافي الأمريكية إلى نحو 17 مليون برميل يومياً منذ اندلاع الحرب في الشرق الأوسط نهاية فبراير، متجاوزاً بوضوح متوسط مستويات الإنتاج المسجلة خلال السنوات الخمس الماضية.
ولا تبدو هذه الزيادة منفصلة عن التطورات التي شهدتها أسواق المنتجات النفطية، إذ وفرت هوامش التكرير المرتفعة حافزاً قوياً أمام الشركات للحفاظ على تشغيل منشآتها بأقصى معدلات ممكنة.
وارتفع هامش تكرير الديزل في الولايات المتحدة إلى نحو 91.06 دولار للبرميل في 25 أغسطس، مقارنة بنحو 30 دولاراً خلال الفترة ذاتها من عام 2025، ما جعل استمرار الإنتاج أكثر جاذبية من التوقف لإجراء أعمال الصيانة.
لكن المعادلة التي تبدو مربحة للمصافي في الوقت الحالي تحمل جانباً آخر أكثر خطورة. فاستمرار تشغيل المنشآت لفترات طويلة بالقرب من طاقتها القصوى، بالتزامن مع تأجيل أعمال الصيانة، قد يزيد احتمالات الأعطال غير المخطط لها والتوقفات المفاجئة.
وتزداد المخاوف مع تراجع مخزونات المنتجات النفطية في الولايات المتحدة، بينما تواجه الأسواق الدولية بالفعل اضطرابات في الإمدادات نتيجة تعطل بعض منشآت الطاقة في الشرق الأوسط واستهداف مصافي النفط خلال الحرب الروسية الأوكرانية.
وتشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى أن سوق المنتجات النفطية المكررة قد تواجه نقصاً يصل إلى 3 ملايين برميل يومياً خلال العام الجاري، ما يرفع أهمية استمرار المصافي الأمريكية في العمل بكفاءة.
ولا تخلو استراتيجية تشغيل المصافي بأقصى طاقة من سوابق تاريخية تحمل تحذيرات واضحة. فقد شهدت الولايات المتحدة في فترات سابقة انخفاضات حادة في معدلات التشغيل بعد موجات طويلة من العمل قرب الطاقة القصوى.
وفي عام 1998، تراجع معدل تشغيل المصافي إلى نحو 86% في أكتوبر، بعدما كان يقارب 95% في نهاية سبتمبر، وسط خضوع عدد من المنشآت لأعمال صيانة طارئة.
كما شهد عام 2018 تراجعاً في معدلات التشغيل إلى حوالي 89% خلال أسابيع قليلة، بعد أن تجاوزت مستويات التشغيل 97% من الطاقة الإنتاجية.
وتوضح هذه التجارب أن الحفاظ على مستويات تشغيل مرتفعة لفترة طويلة قد يرفع احتمالات ظهور أعطال تضطر الشركات إلى إيقاف وحداتها بصورة مفاجئة، وهو ما قد يحول زيادة الإنتاج الحالية إلى مصدر ضغط جديد على الإمدادات.
وتتزامن هذه المخاطر مع تراجع مخزونات المقطرات الأمريكية، التي تشمل الديزل وزيت التدفئة، إلى نحو 103.4 مليون برميل خلال الأسبوع المنتهي في 21 أغسطس، وهو أدنى مستوى مسجل لهذه الفترة من العام، وفق بيانات أوردها بنك «إيه إن زد».
ويعني انخفاض المخزونات أن السوق تملك هامش أمان محدوداً في حال تعرضت إحدى المصافي الكبرى لتوقف غير متوقع أو اضطرت مجموعة من المنشآت إلى إجراء أعمال صيانة في الوقت نفسه.
ولا تتوقف تداعيات تأجيل الصيانة عند احتمال وقوع أعطال مفاجئة، إذ إن تراكم أعمال الإصلاح المؤجلة قد يجبر الشركات لاحقاً على تنفيذ عمليات صيانة أوسع وأطول، ما قد يؤدي إلى خروج طاقات تكريرية كبيرة من الخدمة في توقيت حساس.
ويرى جو ديلورا، كبير محللي الطاقة لدى «رابوبنك»، أن ارتفاع الإنتاج الأمريكي يوفر دعماً مهماً للسوق، لكنه يمثل في الوقت ذاته حلاً مؤقتاً لأزمة أوسع نطاقاً، محذراً من أن استمرار المصافي في العمل عند مستويات قصوى يجعل أي توقف مفاجئ أكثر تأثيراً على توازن سوق الوقود.
وبذلك، تبدو المصافي الأمريكية اليوم أمام معادلة دقيقة: إما مواصلة التشغيل لتحقيق أقصى استفادة من هوامش الأرباح المرتفعة، أو التوقف للصيانة وتقليل مخاطر الأعطال المستقبلية.
ومع استمرار اضطرابات الإمدادات العالمية وتراجع المخزونات، قد تتحول المصافي الأمريكية تدريجياً من عنصر رئيسي في إنقاذ سوق الوقود العالمية إلى نقطة ضعف جديدة، إذا أدى ضغط التشغيل المتواصل إلى أعطال واسعة أو موجة صيانة مؤجلة خلال الأشهر المقبلة.




