بنوك عالمية تحذر من تراجع جاذبية لندن مع تصاعد مخاوف زيادة الضرائب

تواجه المملكة المتحدة تحذيرات من القطاع المصرفي بشأن تداعيات أي زيادة جديدة في الضرائب المفروضة على البنوك، وسط مخاوف من أن تؤدي الإجراءات المرتقبة إلى إعادة المؤسسات المالية العالمية النظر في حجم أنشطتها واستثماراتها داخل البلاد.
وتأتي هذه التحذيرات في وقت تتجه فيه الأنظار إلى موازنة الحكومة البريطانية المقررة الشهر المقبل، مع تزايد التكهنات بشأن احتمال فرض ضريبة استثنائية على القطاع المصرفي، الأمر الذي يعيد فتح النقاش حول قدرة لندن على الحفاظ على موقعها كمركز مالي دولي في ظل ارتفاع تكاليف ممارسة الأعمال.
وبحسب صحيفة «فايننشال تايمز»، أظهر مسح شمل بنوكًا أمريكية وأوروبية وآسيوية وإفريقية وشرق أوسطية لديها عمليات كبيرة في بريطانيا، أن نظرة هذه المؤسسات إلى المملكة المتحدة كمركز رئيسي للأنشطة المالية الأوروبية لم تعد بالقوة نفسها التي كانت عليها قبل خروج البلاد من الاتحاد الأوروبي.
حدد مصرفيون عاملين رئيسيين قد يدفعان المؤسسات المالية إلى إعادة تقييم حجم حضورها في بريطانيا.
ويتمثل العامل الأول في ارتفاع الضرائب والتكاليف التنظيمية المفروضة على القطاع، بما قد يقلص العائد على الأنشطة المصرفية ويجعل بعض العمليات أكثر تكلفة مقارنة بمراكز مالية أوروبية وأمريكية منافسة.
أما العامل الثاني فيرتبط بسياسات الهجرة، إذ يرى مصرفيون أن تشديد القواعد المتعلقة باستقدام الموظفين ونقل الكفاءات إلى المملكة المتحدة قد يحد من قدرة البنوك العالمية على توزيع كوادرها بين مكاتبها المختلفة.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة بالنسبة إلى المؤسسات المالية الدولية التي تعتمد على انتقال الخبرات والموظفين بين مراكزها في لندن وفرانكفورت وأمستردام ودبلن ونيويورك وغيرها.
وتشير المقارنة التي أعدتها «يو كيه فاينانس» إلى اختلاف واضح في العبء الضريبي الذي تتحمله المؤسسات المالية بين عدد من المراكز العالمية.
وبحسب البيانات، يصل إجمالي الضرائب المفروضة على نموذج لبنك استثماري وشركات مرتبطة به في لندن إلى 46.5% من الأرباح، مقابل 42.2% في أمستردام و39.1% في فرانكفورت.
وينخفض المعدل إلى 29% في دبلن، بينما يبلغ نحو 27.9% في نيويورك.
وتعكس هذه الفوارق أحد أبرز مصادر القلق لدى المصرفيين، خصوصًا أن زيادة التكلفة الإجمالية لممارسة النشاط قد تؤثر في قرارات توزيع الاستثمارات والموظفين والعمليات بين المراكز المالية المختلفة.
وتأتي هذه المخاوف في سياق تغير العلاقة بين لندن والقطاع المالي الأوروبي منذ خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي.
فقد احتفظت العاصمة البريطانية بمكانتها كمركز مالي عالمي، لكن خروج البلاد من السوق الموحدة للاتحاد الأوروبي أدى إلى تغيرات في طريقة وصول المؤسسات المالية إلى العملاء والأسواق الأوروبية.
ومع مرور الوقت، عززت بعض المؤسسات حضورها في مدن أوروبية أخرى، ما أوجد منافسة متزايدة على الأنشطة التي كانت تُدار تقليديًا من لندن.
ويخشى مصرفيون من أن يؤدي الجمع بين الضرائب المرتفعة والتكاليف التنظيمية وتشديد قواعد الهجرة إلى زيادة الحوافز أمام البنوك لتوسيع عملياتها في مراكز بديلة.
وتتجه الأنظار حاليًا إلى الموازنة البريطانية المنتظرة الشهر المقبل، في ظل التكهنات بشأن الإجراءات التي قد تتخذها الحكومة لزيادة الإيرادات العامة.
ويثير احتمال فرض ضريبة استثنائية على البنوك قلق المؤسسات المالية، التي ترى أن أي زيادة جديدة في الأعباء قد تؤثر في تنافسية القطاع وتدفع بعض المؤسسات إلى إعادة النظر في خطط الاستثمار والتوسع.
ولا يعني ذلك بالضرورة خروج البنوك من بريطانيا، لكن زيادة تكلفة النشاط قد تؤثر في القرارات المتعلقة بمكان تنفيذ بعض العمليات الجديدة، وتوزيع الوظائف والاستثمارات بين لندن وغيرها من المراكز المالية العالمية.
معركة الحفاظ على جاذبية لندن
وتضع هذه التطورات الحكومة البريطانية أمام معادلة دقيقة بين زيادة الإيرادات من القطاع المالي والحفاظ على جاذبية لندن أمام المؤسسات الدولية.
فالقطاع المصرفي يمثل أحد المكونات الأساسية للاقتصاد البريطاني، فيما تستند جاذبية لندن إلى مزيج من البنية المالية المتطورة، والخبرات المتخصصة، والأسواق العميقة، وشبكة الخدمات المرتبطة بالقطاع.
لكن البنوك العالمية تقارن بصورة متزايدة بين تكلفة ممارسة النشاط في لندن ومثيلاتها في المراكز المالية المنافسة، ما يجعل مستوى الضرائب والقواعد التنظيمية وسياسات استقدام الكفاءات عوامل حاضرة في قراراتها الاستثمارية.
وبينما تستعد الحكومة للإعلان عن إجراءاتها المالية، يترقب القطاع المصرفي ما إذا كانت الموازنة المقبلة ستضيف أعباء جديدة على البنوك، أم ستأخذ في الاعتبار المنافسة المتزايدة بين المراكز المالية العالمية على الاستثمارات والوظائف والكفاءات.




