الاقتصادية

الين يهدد استقرار الأسواق العالمية وواشنطن وطوكيو تتدخلان في سباق لوقف الانهيار

لم تعد أزمة العملة اليابانية مجرد تحرك محدود داخل سوق الصرف، بعدما تحولت إلى مصدر قلق عالمي بفعل تأثيراتها المحتملة على تدفقات رؤوس الأموال وأسواق السندات. ومع استمرار الضغوط على الين أمام الدولار، وجدت طوكيو نفسها مضطرة إلى طلب دعم واشنطن في خطوة نادرة تهدف إلى تهدئة الأسواق ومنع اتساع دائرة التقلبات.

وجاء التدخل المشترك بين الولايات المتحدة واليابان في وقت حساس، حيث تزامن ضعف الين مع ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية، ما أثار مخاوف من انعكاسات أوسع على النظام المالي العالمي، خاصة أن اليابان تعد من أكبر المستثمرين في سوق الدين الأمريكية.

ولم يعد تراجع العملة اليابانية قضية مرتبطة بالاقتصاد المحلي فقط، بل أصبح مرتبطاً بشكل مباشر بحركة السيولة العالمية وباستقرار أسواق المال، وهو ما دفع البلدين إلى تنفيذ أول تدخل مشترك لشراء الين منذ عام 1998.

أكدت طوكيو وواشنطن تنفيذ عملية منسقة في سوق العملات بهدف وقف الانخفاض الحاد للين، في أول تعاون مباشر بين البلدين بهذا الحجم منذ الأزمة المالية الآسيوية عام 1998، كما يعد أول تدخل مشترك منذ التحرك الذي جرى عام 2011 عقب الزلزال المدمر الذي ضرب شرق اليابان.

وجاء القرار بعد وصول الين إلى مستويات غير مسبوقة من الضعف، بعدما اقترب سعر صرفه من 164 يناً مقابل الدولار، وهو أدنى مستوى يسجل منذ نحو أربعة عقود، ما زاد الضغوط على الاقتصاد الياباني بسبب ارتفاع تكلفة الواردات، خصوصاً الطاقة والمواد الأولية.

وأكدت السلطات المالية في البلدين أنها تراقب تطورات السوق عن كثب، مع استعدادها لاتخاذ إجراءات إضافية في حال استمرار التحركات الحادة وغير الطبيعية للعملة.

لم يكن التدخل الأمريكي الياباني خطوة مفاجئة، إذ سبقته عملية منفردة من جانب اليابان، في محاولة لوقف النزيف المتواصل للعملة.

ووفق تقديرات وكالة “بلومبرج” استناداً إلى بيانات بنك اليابان، أنفقت طوكيو ما يصل إلى 52.8 مليار دولار خلال تدخلها يوم الخميس، قبل أن تضخ نحو 34 مليار دولار في العملية المشتركة التي جرت يوم الجمعة.

ويأتي هذا التحرك ضمن تاريخ طويل من تدخلات اليابان في سوق الصرف، بدأ منذ اتفاق بلازا عام 1985، مروراً بالأزمة الآسيوية عام 1998، وصولاً إلى التحركات الأخيرة التي استخدمت فيها السلطات اليابانية احتياطياتها المالية للدفاع عن عملتها.

وكانت البيانات قد كشفت أن اليابان أنفقت ما يعادل 72.52 مليار دولار خلال شهري أبريل ومايو الماضيين في محاولة للحد من تراجع الين.

لم يكن دخول الولايات المتحدة على خط الأزمة مرتبطاً فقط بعلاقات التحالف مع اليابان، بل ارتبط أيضاً بمخاوف تتعلق بسوق السندات الأمريكية.

ويرى محللون أن لجوء اليابان إلى بيع كميات كبيرة من سندات الخزانة الأمريكية للحصول على السيولة اللازمة لدعم الين كان يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع عوائد السندات، وهو ما قد يرفع تكلفة الاقتراض على الحكومة الأمريكية ويضغط على الأسواق المالية.

وتبرز أهمية اليابان باعتبارها أكبر حائز أجنبي لسندات الخزانة الأمريكية، إذ تتجاوز قيمة حيازاتها 1.1 تريليون دولار، ما يجعل أي عملية بيع واسعة من جانبها عاملاً مؤثراً في سوق الدين العالمية.

Japan Yen Intervention Risk Rises as Officials Warn They're Ready to Act -  Christophe Barraud

ورغم مشاركة واشنطن في دعم العملة اليابانية، فإن قدرتها المباشرة على التأثير في سوق الصرف تظل محدودة مقارنة بحجم التداولات العالمية الضخمة.

وأشار محللو بنك “جيه بي مورجان” إلى أن الموارد السائلة المتوفرة حالياً لدى صندوق استقرار الصرف التابع لوزارة الخزانة الأمريكية تقدر بنحو 38.5 مليار دولار، مع إمكانية رفعها نظرياً إلى حوالي 187 مليار دولار عبر آليات تمويل إضافية.

كما أفادت تقارير بأن بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك نفذ جزءاً من العملية نيابة عن وزارة الخزانة الأمريكية، من خلال بيع اليورو وشراء الين بدلاً من بيع الدولار مباشرة، وذلك بهدف دعم العملة اليابانية دون التأثير على سياسة واشنطن الرامية إلى الحفاظ على قوة الدولار.

مع استمرار احتمالات تجدد الضغوط على الين، أبقت السلطات اليابانية والأمريكية الباب مفتوحاً أمام تدخلات جديدة مستقبلاً.

وفي هذا السياق، برزت إمكانية استخدام آلية “FIMA Repo” التابعة للاحتياطي الفيدرالي، والتي تتيح لليابان الحصول على سيولة بالدولار دون الحاجة إلى بيع كميات كبيرة من سندات الخزانة الأمريكية.

ويهدف هذا الخيار إلى توفير مصادر تمويل بديلة للتدخلات المستقبلية، مع تجنب خلق اضطرابات إضافية في سوق السندات الأمريكية.

ساهم التدخل المشترك في منح العملة اليابانية دفعة قوية، حيث ارتفع الين بأكثر من 3% خلال يومي الخميس والجمعة، قبل أن يواصل تحسنه ليصل إلى حوالي 155.2 يناً مقابل الدولار، وهو أفضل مستوى له منذ بداية مايو.

لكن المحللين يرون أن تأثير هذا التحرك قد يكون مؤقتاً، لأن العوامل الأساسية التي تضغط على الين لا تزال قائمة، وعلى رأسها الفارق الكبير بين أسعار الفائدة في اليابان والولايات المتحدة.

ويظل مستقبل العملة اليابانية مرتبطاً بشكل أساسي بمسار السياسة النقدية لبنك اليابان والاحتياطي الفيدرالي، وليس فقط بالتدخلات المباشرة في سوق العملات.

يكشف التحرك الأمريكي الياباني أن ضعف الين تجاوز حدود الاقتصاد الياباني ليصبح قضية مرتبطة بتوازنات النظام المالي العالمي، خاصة مع الدور الكبير الذي تلعبه اليابان في سوق السندات الأمريكية.

ورغم نجاح التدخل في منح العملة اليابانية دعماً مؤقتاً، فإن استقرار الين على المدى الطويل سيبقى رهيناً بقدرة البنوك المركزية على إدارة الفجوات النقدية والتعامل مع مرحلة تتسم بارتفاع التقلبات وعدم اليقين في الأسواق العالمية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى