المنتجات الخضراء بين علاوة الأسعار ومخاطر الغسيل البيئي

لم يعد المستهلك يشتري المنتج بناءً على وظيفته أو سعره فقط، بل أصبحت بصمته البيئية عنصرًا متزايد الحضور في قرار الشراء. وعلى أرفف المتاجر، تتنافس عبوات تحمل ألوانًا وشعارات وعبارات توحي بالاستدامة، فيما يدفع المستهلك في كثير من الأحيان سعرًا أعلى مقابل هذه الصفات.
لكن ارتفاع السعر لا يعني بالضرورة أن المنتج أكثر فائدة للبيئة. فقد يكون الفارق ناتجًا عن استخدام مواد معاد تدويرها أو تقنيات أقل استهلاكًا للطاقة، وقد يقتصر أحيانًا على ادعاءات بيئية عامة يصعب على المستهلك التحقق من مدى دقتها.

ومع اتساع سوق المنتجات التي تُسوَّق باعتبارها صديقة للبيئة، يبرز سؤال أساسي حول القيمة الحقيقية لهذه الوعود، وما إذا كانت الزيادة التي يدفعها المستهلك تعكس أثرًا بيئيًا ملموسًا أم تتحول إلى مجرد علاوة سعرية تستفيد منها الشركات.
تكشف بيانات حديثة عن استعداد شريحة واسعة من المستهلكين لتحمل تكلفة إضافية مقابل المنتجات التي تحمل خصائص مستدامة.
ووفق استطلاع أجرته شركة «بي دبليو سي» عام 2024 وشمل أكثر من 20 ألف مستهلك في 31 دولة وإقليمًا، أبدى المشاركون استعدادهم لدفع زيادة في السعر تبلغ في المتوسط 9.7% مقابل السلع التي تُنتج أو تُورَّد بطريقة أكثر استدامة.
أما سلوك الشراء الفعلي، فيظهر من خلال مؤشر أعده مركز الأعمال المستدامة في كلية ستيرن بجامعة نيويورك بالتعاون مع «سيركانا».
وأظهر تحديث المؤشر الصادر في أبريل 2026 أن المنتجات التي تُسوَّق بصفات مستدامة استحوذت خلال 2025 على نحو 25.4% من قيمة المبيعات في السوق الأمريكية التي يغطيها المؤشر، بزيادة بلغت 1.6 نقطة مئوية مقارنة بالعام السابق.
وتكشف بيانات الأسعار عن تفاوت كبير بين الأسواق والمنتجات. ففي الولايات المتحدة، بلغ متوسط علاوة السعر للمنتجات المستدامة 26.6% خلال 2024 مقارنة بالسلع التقليدية، في حين لم تتجاوز هذه العلاوة 5% أو أقل في كل من بريطانيا وألمانيا ضمن الأسواق التي شملتها الدراسة.
وتزداد الفجوة بصورة لافتة في بعض الفئات، إذ سجلت المشروبات الغازية التي تحمل صفات مستدامة في السوق الأمريكية متوسط علاوة سعرية بلغ 167.7% مقارنة بنظيراتها التقليدية خلال 2024.
مع توسع سوق المنتجات الخضراء، برزت في المقابل مشكلة الغسيل الأخضر، وهو استخدام ادعاءات أو صور أو عبارات تمنح المستهلك انطباعًا بأن المنتج أكثر مراعاة للبيئة مما تثبته الأدلة المتاحة.

وأظهرت دراسة للمفوضية الأوروبية تعود إلى عام 2020 أن 53.3% من الادعاءات البيئية التي خضعت للمراجعة كانت غامضة أو مضللة أو تفتقر إلى أساس واضح، فيما لم تكن 40% منها مدعومة بأدلة كافية.
ولم تقتصر الإشكالات على شركات صغيرة أو علامات غير معروفة. ففي عام 2022، وافقت شركتا وولمارت وكولز على دفع غرامات مدنية بلغ مجموعها 5.5 مليون دولار لتسوية اتهامات تتعلق بتسويق منتجات نسيجية مصنوعة من الرايون على أنها مصنوعة من ألياف الخيزران.
وبحسب لجنة التجارة الاتحادية الأمريكية، يمكن بالفعل استخدام الخيزران مادة أولية لإنتاج الرايون، إلا أن عملية تحويله إلى هذه الألياف تتطلب مواد كيميائية سامة ويمكن أن تؤدي إلى إطلاق ملوثات خطرة.
وفي حالة أخرى، واجهت أكياس القمامة «جلاد» إجراءات قضائية في أستراليا بسبب ادعاءات تتعلق باستخدام البلاستيك المعاد تدويره من المحيطات. وفي أبريل 2025، أمرت المحكمة الاتحادية الأسترالية الشركة المنتجة بدفع 8.3 مليون دولار أسترالي، أي نحو 5.2 مليون دولار أمريكي، على خلفية ادعاءات اعتُبرت مضللة.
وكانت العبوات توحي بأن الأكياس تحتوي على ما لا يقل عن 50% من البلاستيك الذي جرى جمعه من البحر أو المحيط، بينما جاءت المواد المستخدمة من مجتمعات إندونيسية تفتقر إلى أنظمة رسمية لإدارة النفايات، وبعضها يقع على مسافة تصل إلى 50 كيلومترًا من الساحل.
وخلال الفترة التي شملتها المخالفة، وُزعت أكثر من 2.2 مليون عبوة تحمل هذه الرسائل.
وقالت رئيسة لجنة المنافسة والمستهلك الأسترالية، جينا كاس جوتليب، إن المستهلكين غالبًا ما يملكون قدرة محدودة، أو لا يملكون القدرة أصلًا، على التحقق بصورة مستقلة من الادعاءات الواردة على المنتجات، مشيرة كذلك إلى أن الادعاءات المضللة يمكن أن تضع الشركات التي تقدم معلومات بيئية دقيقة في وضع تنافسي غير متكافئ.
في المقابل، لا تعني كل زيادة في السعر بالضرورة أن المنتج يفتقر إلى ميزة بيئية حقيقية. فهناك منتجات يمكن قياس أثرها بوضوح من خلال مؤشرات قابلة للمقارنة.
وتشير وزارة الطاقة الأمريكية، على سبيل المثال، إلى أن مصابيح «إل إي دي» تستهلك طاقة أقل بنحو 75% من المصابيح المتوهجة، ما يجعل استهلاك الكهرباء معيارًا واضحًا لتقييم الفارق بين النوعين.
كما أن السعر المرتفع ليس في حد ذاته مؤشرًا على التفوق البيئي. وتستشهد المفوضية الأوروبية بدراسة أجرتها وكالة التحول البيئي الفرنسية «أديم»، خلصت إلى أن المنتجات الحاصلة على العلامة البيئية الأوروبية كانت في معظم الحالات قادرة على منافسة المنتجات التقليدية سعريًا، بل كانت أرخص في بعض الحالات مع تقديم أداء مماثل.
وتعتمد العلامة الأوروبية على معايير علمية وتقييم مستقل، مع أخذ مختلف مراحل دورة حياة المنتج في الاعتبار، من التصنيع والاستخدام وصولًا إلى التخلص منه، بما يوفر أساسًا أكثر وضوحًا لتقييم الادعاءات البيئية.
وتظهر المشكلة بصورة أخرى عند المنتجات التي تحمل عبارة «قابل لإعادة التدوير». فقد يكون المنتج قابلًا للتدوير من الناحية التقنية، لكن ذلك لا يعني بالضرورة وجود منظومة محلية قادرة على جمعه وفرزه ومعالجته.
ولهذا تربط لجنة التجارة الاتحادية الأمريكية استخدام هذا النوع من الادعاءات بمدى توافر مرافق إعادة التدوير المناسبة في المناطق التي يُباع فيها المنتج.
ووفق إرشادات اللجنة، إذا كانت مرافق إعادة التدوير متاحة لأقل من 60% من المستهلكين أو المجتمعات التي يُسوَّق فيها المنتج، ينبغي توضيح أن إمكانية إعادة تدويره محدودة، من خلال عبارات تشير إلى أن الخدمة قد لا تكون متاحة في منطقة المستهلك.
وهنا يظهر الفرق بين الرمز الموجود على العبوة والمنظومة الفعلية الموجودة خلفه. فإعادة التدوير تتطلب شبكات لجمع المخلفات ومرافق للفرز والمعالجة واستثمارات كبيرة للحفاظ على هذه المنظومة.
وقدرت وكالة حماية البيئة الأمريكية أن تطوير البنية التحتية الخاصة بجمع المواد القابلة لإعادة التدوير ومعالجتها في الولايات المتحدة يحتاج إلى استثمارات تتراوح بين 36.5 و43.4 مليار دولار بحلول عام 2030، بما يشمل مرافق معالجة مواد التغليف والمخلفات العضوية، فضلًا عن تطوير خدمات الجمع ونقاط التسليم.
في أوروبا، تتجه القواعد التنظيمية بصورة متزايدة إلى الحد من استخدام العبارات البيئية العامة التي يصعب إثباتها. ويأتي ذلك في سوق تضم نحو 230 علامة للاستدامة وحوالي 100 علامة مرتبطة بالطاقة الخضراء.
ومن المقرر أن يبدأ، اعتبارًا من 27 شتنبر 2026، تطبيق توجيه تمكين المستهلكين من أجل التحول الأخضر، الذي يهدف إلى تعزيز حماية المستهلك من الادعاءات البيئية المضللة وتحسين المعلومات المتعلقة بمتانة المنتجات.
وتتضمن القواعد الجديدة قيودًا على استخدام الادعاءات البيئية العامة عندما لا تكون مدعومة بأداء بيئي ممتاز ومعترف به ومرتبط بشكل واضح بالادعاء، كما تستهدف علامات الاستدامة التي لا تستند إلى أنظمة اعتماد أو جهات عامة.
كما تشمل القيود الادعاءات التي تصف المنتج بأنه محايد من حيث انبعاثات غازات الدفيئة عندما يستند هذا الادعاء فقط إلى تعويض الانبعاثات خارج المنتج.
تكشف هذه التطورات أن التحول نحو اقتصاد أكثر استدامة لا يعتمد فقط على استعداد المستهلك لدفع المزيد، بل يتطلب أيضًا معلومات قابلة للتحقق ومعايير واضحة تتيح التمييز بين الأثر البيئي الحقيقي والتسويق الأخضر.
فالسعر الإضافي يصبح أكثر قابلية للفهم عندما يقابله انخفاض يمكن قياسه في استهلاك الطاقة أو الانبعاثات، أو استخدام فعلي للمواد المعاد تدويرها، أو تقليص واضح للهدر، أو تحسينات يمكن التحقق منها في سلسلة التوريد.
وفي المقابل، كلما أصبحت الادعاءات البيئية أكثر دقة وقابلية للقياس، تراجعت مساحة العبارات العامة التي تعتمد على اللون الأخضر والصور والرموز بدل الأدلة.
وبذلك لا تعود الاستدامة مجرد عنصر تسويقي يبرر سعرًا أعلى، وإنما تتحول إلى التزام يحتاج إلى إثبات، سواء من خلال بيانات واضحة أو شهادات مستقلة أو نتائج قابلة للقياس، بما يسمح للمستهلك بمعرفة ما الذي يدفع مقابله فعلًا.




