المطاحن تلجأ إلى خلط القمح المحلي بالمستورد لتعويض ضعف جودة البروتين

تواجه الجهود المغربية الرامية إلى تقليص الاعتماد على واردات القمح وتعزيز تسويق الإنتاج المحلي عدة صعوبات تقنية وجودية، رغم التحسن الملحوظ في الموسم الفلاحي بعد إنهاء سنوات من الجفاف، وذلك وفق تصريحات مهنيين في قطاع مطاحن الحبوب وتجارة الحبوب.
وحسب ما نقلته وكالة “رويترز”، أوضح رؤساء اتحادات مطاحن الحبوب وتجار الحبوب في المغرب أن جودة القمح المحلي، خاصة من حيث نسبة البروتين، إضافة إلى تأخر عمليات الحصاد، تشكل أبرز العوائق أمام توسيع الاعتماد على المنتوج الوطني، رغم وفرة المحصول مقارنة بالسنوات الماضية.
ويأتي هذا الوضع في سياق سياسات حكومية تهدف إلى دعم الإنتاج المحلي، حيث فرضت السلطات رسوماً جمركية مرتفعة تصل إلى 135 في المائة خلال شهري يونيو الجاري ويوليو المقبل، في محاولة للحد من تدفق الواردات وتعزيز استهلاك القمح الوطني.
ويتوقع المغرب، الذي يعد من بين أكبر مستوردي القمح في العالم، أن يشهد ارتفاعاً كبيراً في إنتاجه من الحبوب، بما في ذلك القمح اللين، ليصل إلى نحو تسعة ملايين طن خلال الموسم الفلاحي الحالي، أي ما يعادل ضعف الإنتاج المعتاد تقريباً.
غير أن مهنيين في القطاع، من بينهم عمر اليعقوبي رئيس الجامعة الوطنية لتجار الحبوب والقطاني ومولاي عبد القادر العلوي رئيس الجامعة الوطنية للمطاحن، يؤكدون أن عملية الحصاد واجهت عراقيل متعددة، أبرزها نقص اليد العاملة، وتزامن موسم الحصاد مع عطلة عيد الأضحى، إضافة إلى تقادم المعدات واستمرار التساقطات المطرية في بعض المناطق.
وأشار اليعقوبي إلى أن القطاع اضطر إلى إعادة تنظيم عملية الحصاد بعد سنوات من التعطل بسبب الجفاف، بينما أوضح العلوي أن بعض الفلاحين فضلوا عدم ترك القمح في الحقول لفترات طويلة تجنباً لمخاطر الحرائق، ما زاد من تعقيد عمليات الجمع.
وعلى مستوى الجودة، أبدى ممثلو قطاع المطاحن مخاوف مرتبطة بانخفاض نسبة البروتين في القمح المحلي إلى حدود 10.5 في المائة، أي أقل من الحد الأدنى المطلوب لإنتاج دقيق الخبز والمحدد في 11.5 في المائة، وهو ما يعكس تحدياً تقنياً في تحسين جودة الإنتاج.
ويرجع العلوي هذا الانخفاض إلى تراجع استخدام الأسمدة الآزوتية، التي ارتفعت كلفتها بسبب اضطرابات في الأسواق الدولية المرتبطة بالتوترات الجيوسياسية، ما أثر على المردودية والجودة في آن واحد.
وللتغلب على هذا الخصاص، يلجأ الفاعلون في قطاع المطاحن إلى مزج القمح المحلي بأنواع مستوردة ذات جودة بروتينية أعلى، لضمان مطابقة معايير الطحن والاستهلاك.
وفي السياق ذاته، ربطت السلطات استئناف الاستيراد ابتداءً من فاتح غشت بتحقيق هدف جمع ما لا يقل عن 1.2 مليون طن من المحصول المحلي، سواء عبر تسليمه للمطاحن أو تخزينه في المخزون الاستراتيجي.
لكن مهنيين يعتبرون هذا الهدف طموحاً، خاصة في ظل تباطؤ عمليات الجمع نتيجة احتفاظ عدد من صغار الفلاحين بمحاصيلهم أو صعوبة الوصول إلى مراكز التجميع في الوقت المناسب.
كما يواجه القطاع تحدياً إضافياً يتمثل في عدم تجانس أصناف القمح المزروعة داخل نفس المناطق، ما يصعب عمليات الفرز والمعالجة والتوحيد، إضافة إلى الحاجة إلى تخزين الحبوب لفترات تصل إلى أربعة أسابيع قبل طحنها.
وفي حال استمرار تأخر عمليات الجمع، لا يستبعد مهنيون إمكانية تمديد قيود الاستيراد لشهر إضافي، وهو ما قد يؤدي إلى ضغط على المخزونات الوطنية وخلق طلب مكثف على الواردات خلال شهر شتنبر، مع احتمال حدوث ازدحام في الموانئ.
ورغم تأكيد وزير الفلاحة أحمد البواري على أن الأولوية تبقى لدعم المنتوج المحلي وحماية الفلاحين، يرى فاعلون في القطاع أن حجم الحاجيات النهائية للمغرب من الاستيراد لا يزال غير واضح حتى الآن، في ظل تقلبات السوق وصعوبة تقييم الإنتاج الفعلي بدقة.
وتشير بيانات الجامعة الوطنية لتجار الحبوب والقطاني إلى أن فرنسا كانت المورد الرئيسي خلال الموسم الماضي، حيث وفرت حوالي 70 في المائة من واردات المغرب من القمح اللين، البالغة 5.1 مليون طن، تليها الأرجنتين وروسيا وألمانيا.
وفي ظل هذا الواقع، يؤكد المهنيون أن المستوردين سيمنحون الأولوية للقمح المحلي، مع الاستمرار في البحث عن أفضل توازن بين الجودة والسعر في الأسواق العالمية، إلى حين اتضاح الصورة النهائية لحجم العرض الوطني.




