الصين تعزز حضورها في آسيا الوسطى بمشروعات فضائية واستثمارات استراتيجية

تواصل الصين توسيع نفوذها في آسيا الوسطى عبر حزمة من المبادرات التي تشمل الفضاء والذكاء الاصطناعي وإدارة الموارد المائية والبنية التحتية، إلى جانب ضخ استثمارات ضخمة في قطاعات الصناعة والطاقة والنقل، في إطار استراتيجية تستهدف تعميق الشراكات الاقتصادية والتكنولوجية مع دول المنطقة.
وفي أحدث خطواتها، أعلنت وسائل إعلام رسمية صينية أن بكين تعتزم إنشاء كوكبة تضم أكثر من ألف قمر اصطناعي للاستشعار عن بُعد لمراقبة آسيا الوسطى، على أن تُطلق الدفعة الأولى، المكونة من خمسة أقمار ضمن مشروع “تيانوو” (Tianwu Constellation)، بحلول نهاية عام 2026.
وتصف الصين المشروع بأنه مبادرة مشتركة مع كازاخستان وأوزبكستان وطاجيكستان، تهدف إلى دعم مراقبة التغيرات البيئية ورصد الكوارث الطبيعية وآثار التغير المناخي.
غير أن طبيعة أقمار الاستشعار عن بُعد، القادرة على جمع بيانات عالية الدقة ذات استخدامات مدنية وعسكرية، أثارت تساؤلات بشأن أبعاد المشروع، خاصة أن ملكية الأقمار ومعالجة البيانات ستظل بيد الصين، بينما ستحصل الدول المشاركة على صلاحيات محدودة للوصول إلى المعلومات.
وفي موازاة ذلك، تواصل بكين تعزيز حضورها في قطاع الذكاء الاصطناعي، إذ استضافت الحكومة الكازاخية ندوة استراتيجية قدمها كاي فو لي، مؤسس شركة 01.AI، لبحث سبل تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي واختيار النماذج المناسبة لتطوير الخدمات الحكومية، في وقت تتنافس فيه الشركات الأمريكية والصينية على ترسيخ نفوذها التقني في المنطقة. كما يشغل لي عضوية المجلس الاستشاري للذكاء الاصطناعي التابع للرئيس الكازاخي قاسم جومارت توكاييف.
وامتد التعاون إلى قطاع الإعلام، حيث أبرمت شركة Beijing Zhongguancun Tongli Technology Service اتفاقية مع مؤسسة مهرجان أستانا لأفلام الذكاء الاصطناعي للمشاركة في تمويل وإنتاج وتوزيع محتوى إعلامي يعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي.
وفي ملف إدارة المياه، عززت الصين شراكاتها مع دول آسيا الوسطى من خلال برامج أكاديمية وتدريبية، شملت إطلاق درجات علمية مشتركة بين جامعات صينية وكازاخية، وإنشاء مركز تدريب متخصص في إدارة الموارد المائية، إلى جانب مباحثات مع أوزبكستان لتحديث البنية التحتية لشبكات المياه باستخدام التكنولوجيا الصينية.
وعلى صعيد الاستثمارات، أعلنت كازاخستان توقيع مذكرات تفاهم مع شركات صينية لإنشاء مدينة صناعية باستثمارات تبلغ 1.5 مليار دولار، إضافة إلى مشروع لبناء مصهر للألمنيوم بقيمة مليار دولار، فيما تواصل شركة China Nonferrous Metal Mining (CNMC) توسيع عملياتها في قطاع التعدين عبر تأسيس شركة جديدة، بالتزامن مع تنفيذ مشروعات قائمة تشمل مصهر نحاس بقيمة 1.56 مليار دولار واستثمارات إضافية تبلغ 600 مليون دولار في قطاع استخراج النحاس.
وفي قيرغيزستان، يستعد بنك إلديك الحكومي للحصول على تمويل يصل إلى مليار يوان من بنك التنمية الصيني، بهدف دعم الشركات الصغيرة والمتوسطة العاملة في مجالات البنية التحتية والطاقة المتجددة والصناعة والزراعة، بما يوفر مصادر تمويل طويلة الأجل للمشروعات الإنتاجية.
أما في تركمانستان، فقد توسع التعاون ليشمل قطاعي التعليم والنقل، بعد توقيع اتفاقيات لإطلاق برامج لتعليم اللغة الصينية وإجراء أبحاث مشتركة بين الجامعات، إلى جانب منح دراسية للطلاب التركمان، فضلاً عن تدشين خط جديد لقطارات الشحن يربط مقاطعة تشينغهاي الصينية بمنطقة بلقان التركمانية، بما يعزز حركة التجارة نحو إيران وتركيا والأسواق الأوروبية.
وفي أوزبكستان، وقعت جمعية شركات المنسوجات والملابس مذكرة تفاهم مع فيلق شينجيانغ للإنتاج والبناء الصيني، تستهدف توسيع التعاون الصناعي وتعزيز الشراكات طويلة الأجل في قطاع الصناعات النسيجية.
وتعكس هذه التحركات استراتيجية صينية متسارعة لتعزيز حضورها الاقتصادي والتكنولوجي في آسيا الوسطى، عبر الجمع بين الاستثمارات الكبرى، والتعاون في القطاعات الحيوية، وتطوير البنية التحتية الرقمية والفضائية، بما يمنح بكين نفوذاً متزايداً في منطقة تكتسب أهمية جيوسياسية واقتصادية متنامية.




