الاقتصادية

التضخم.. كيف تبدأ موجة ارتفاع الأسعار ومن يدفع ثمنها؟

قد لا يبدأ التضخم من المتجر أو من فاتورة الأسرة، بل قد تكون شرارته الأولى في سوق الطاقة أو العمالة أو حتى في قرارات الإنفاق والاستثمار. ومع انتقال ارتفاع التكاليف من قطاع إلى آخر، تتسع دائرة التأثير تدريجياً، لتصل في النهاية إلى أسعار السلع والخدمات التي يدفعها المستهلك يومياً.

ولا يقتصر التضخم على ارتفاع سعر منتج بعينه، وإنما يشير إلى زيادة مستمرة في المستوى العام للأسعار، وهو ما يعني عملياً انخفاض القوة الشرائية للنقود بمرور الوقت. وكلما طال أمد هذه الزيادة، تغيرت سلوكيات الأسر والشركات، من أنماط الاستهلاك والادخار إلى قرارات الاستثمار والتوظيف.

ما المقصود بالتضخم؟

يُعرّف التضخم بأنه الارتفاع المتواصل في أسعار السلع والخدمات خلال فترة زمنية معينة. وقد يشمل ذلك الاحتياجات الأساسية، مثل السكن والغذاء والرعاية الصحية والمرافق، إلى جانب السلع والخدمات غير الضرورية، كالسيارات والمجوهرات ومستحضرات التجميل.

وتكمن إحدى أبرز نتائج التضخم في تراجع القيمة الفعلية للنقود. فالمبلغ الذي يشتري كمية معينة من السلع اليوم قد لا يكون قادراً على شراء الكمية نفسها مستقبلاً إذا استمرت الأسعار في الارتفاع.

وينطبق الأمر ذاته على الاستثمارات؛ فإذا حقق استثمار عائداً اسمياً يبلغ 5% في وقت يصل فيه التضخم إلى 3%، فإن العائد الحقيقي يكون في حدود 2% فقط.

Why Inflation Sticks Around: The Social Roots of Price Persistence |  Institute for New Economic Thinking

من أين تأتي الضغوط التضخمية؟

لا ينشأ التضخم من مصدر واحد، وإنما يمكن أن تتداخل عدة عوامل في دفع الأسعار إلى الارتفاع. ومن أبرز هذه العوامل ارتفاع تكاليف الإنتاج، وزيادة الطلب، وتوقعات استمرار ارتفاع الأسعار والأجور، إلى جانب أسعار العقارات والسياسات المالية والنقدية وتغير قيمة العملة.

تضخم دفع التكلفة

يظهر هذا النوع عندما ترتفع تكلفة إنتاج السلع والخدمات، فتجد الشركات نفسها أمام خيار رفع الأسعار لتعويض جزء من الزيادة في النفقات.

وقد تبدأ الضغوط من المواد الخام. فعلى سبيل المثال، يؤدي ارتفاع سعر النحاس إلى زيادة تكلفة إنتاج الشركات التي تعتمد عليه، وهو ما قد ينعكس في النهاية على السعر الذي يدفعه المستهلك مقابل المنتج النهائي.

وتشكل الأجور عاملاً آخر في هذه المعادلة. فعندما تنخفض البطالة ويصبح العثور على العمالة المؤهلة أكثر صعوبة، قد تضطر الشركات إلى رفع الأجور لجذب الموظفين والاحتفاظ بهم. وإذا ارتفعت تكاليف العمالة، فقد تنتقل هذه الزيادة إلى أسعار المنتجات والخدمات.

ولا تقتصر مصادر ارتفاع التكاليف على الأسواق، إذ يمكن للكوارث الطبيعية أيضاً أن تحدث تأثيراً واسعاً. فتضرر محصول زراعي رئيسي، على سبيل المثال، قد يؤدي إلى ارتفاع سعره وأسعار المنتجات التي تعتمد عليه.

عندما يصبح الطلب أكبر من قدرة الاقتصاد

على الجانب الآخر، يمكن أن ينشأ التضخم نتيجة ارتفاع الطلب على السلع والخدمات إلى مستويات تتجاوز قدرة الاقتصاد على توفير المعروض.

في هذه الحالة، يجد المستهلكون أنفسهم أمام كمية محدودة من المنتجات وعدد أكبر من المشترين، ما يتيح للشركات رفع الأسعار، خصوصاً عندما يكون الطلب قوياً ومستداماً.

وغالباً ما تترافق هذه الظروف مع تحسن ثقة المستهلكين، وانخفاض البطالة وزيادة الدخول والأجور. ومع ارتفاع القدرة الشرائية، يتوسع الإنفاق، فتزداد الضغوط على الشركات لتوفير كميات أكبر من السلع والخدمات.

لكن ارتفاع الطلب على منتج واحد لفترة قصيرة لا يعني بالضرورة وجود تضخم واسع النطاق؛ إذ يرتبط تضخم الطلب باستمرار قوة الطلب عبر قطاعات متعددة من الاقتصاد.

دوامة الأسعار والأجور

هناك نوع آخر من التضخم يرتبط بتوقعات الأسر والشركات بشأن المستقبل. فعندما يعتقد العمال أن الأسعار ستواصل الارتفاع، قد يطالبون بزيادات في الأجور لتعويض فقدان القوة الشرائية.

وترفع هذه الزيادات بدورها تكلفة تشغيل الشركات، التي قد تسعى إلى تمرير جزء منها إلى المستهلكين من خلال رفع الأسعار. وعندما ترتفع الأسعار مجدداً، قد تتجدد مطالب زيادة الأجور.

وهكذا يمكن أن تنشأ حلقة متبادلة بين الأجور والأسعار، تعرف باسم “دوامة الأجور والأسعار”، حيث تصبح توقعات التضخم نفسها عاملاً يساعد على استمرار الضغوط السعرية.

العقارات.. قناة أخرى لانتقال التضخم

يمثل قطاع الإسكان أحد المجالات التي يمكن أن تتداخل فيها قوى العرض والطلب مع التضخم.

فعندما ينمو الاقتصاد ويتزايد الإقبال على شراء المنازل، قد ترتفع أسعار العقارات، كما يمكن أن يزداد الطلب على مواد البناء، مثل الأخشاب والصلب وغيرها من المستلزمات.

Ce que l'inflation officielle ne montre pas toujours

وبالتالي، لا يقتصر تأثير ارتفاع الطلب على سوق الإسكان وحده، بل يمكن أن يمتد إلى القطاعات المرتبطة بالبناء والتشييد، ما يضيف ضغوطاً على الأسعار في أجزاء أخرى من الاقتصاد.

كيف يمكن للسياسات الحكومية أن تؤثر في التضخم؟

تلعب السياسة المالية دوراً مهماً في مستوى الطلب داخل الاقتصاد. فعندما تخفض الحكومة الضرائب، قد ترتفع الأموال المتاحة أمام الأسر للإنفاق، بينما قد تستخدم الشركات موارد إضافية في التوسع أو التوظيف أو زيادة الأجور.

كما أن زيادة الإنفاق الحكومي على مشروعات البنية التحتية يمكن أن تنشط الاقتصاد وتزيد الطلب على السلع والخدمات. وإذا لم يتمكن المعروض من مواكبة هذه الزيادة، فقد تتصاعد الضغوط على الأسعار.

أما السياسة النقدية، فتؤثر في التضخم من خلال تكلفة الاقتراض وتوافر الأموال. فعندما يخفض البنك المركزي أسعار الفائدة، تصبح القروض أقل تكلفة، ما قد يشجع الأفراد والشركات على الاقتراض والإنفاق والاستثمار، وبالتالي زيادة الطلب.

عرض النقود وقيمة العملة

تربط النظرية النقدية بين التضخم وكمية الأموال المتداولة مقارنة بحجم السلع والخدمات المتاحة.

وتلخص معادلة التبادل هذه العلاقة في الصيغة:

MV = PQ

حيث يشير M إلى عرض النقود، وV إلى سرعة تداولها، وP إلى مستوى الأسعار، وQ إلى كمية السلع والخدمات المنتجة.

وبافتراض ثبات حجم الإنتاج، فإن زيادة عرض النقود أو سرعة تداولها يمكن أن ترفع مستوى الأسعار.

كما يمكن أن تتراجع قيمة العملة عندما تنخفض الثقة في الجهة المصدرة لها، وفي الحالات القصوى قد يصل الأمر إلى تضخم مفرط نتيجة انهيار القوة الشرائية للعملة.

كيف يمكن للأفراد مواجهة أثر التضخم؟

لا توجد وسيلة واحدة تصلح لجميع المستثمرين أو المدخرين، لكن بعض الأدوات والأصول ينظر إليها باعتبارها وسائل محتملة للحد من أثر التضخم.

الأسهم

قد تتمكن بعض الشركات من تمرير ارتفاع تكاليفها إلى المستهلكين، الأمر الذي يساعدها على الحفاظ على الإيرادات والأرباح في بعض الظروف.

لكن قدرة الشركات على التعامل مع التضخم تختلف من قطاع إلى آخر ومن شركة إلى أخرى، ولذلك لا تتحرك الأسهم جميعها بالطريقة نفسها خلال فترات ارتفاع الأسعار.

الأوراق المالية المرتبطة بالتضخم

هناك أدوات مالية صممت لتأخذ التضخم في الاعتبار، ومن بينها سندات الخزانة الأمريكية المحمية من التضخم، المعروفة باسم TIPS، والتي ترتبط قيمتها بتغيرات مؤشر أسعار المستهلك.

حسابات الادخار ذات العائد المرتفع

يمكن لبعض حسابات الادخار ذات العائد المرتفع وشهادات الإيداع أن توفر عائداً أفضل على الأموال المدخرة.

ومع ذلك، فإن العائد الاسمي لا يعكس بالضرورة العائد الحقيقي؛ فإذا ظل العائد الذي يحصل عليه المدخر أقل من معدل التضخم، فإن القوة الشرائية لأمواله ستواصل التراجع.

الذهب والعقارات

يلجأ بعض المستثمرين إلى الذهب والعقارات باعتبارهما من الأصول التي يمكن أن توفر تحوطاً نسبياً ضد التضخم.

لكن أداء هذه الأصول ليس مضموناً، إذ تتأثر قيمتها أيضاً بعوامل اقتصادية وسوقية أخرى.

كيف تقيس الاقتصادات التضخم؟

تستخدم الجهات الاقتصادية مجموعة من المؤشرات لمتابعة تغير الأسعار، ويختلف كل مؤشر بحسب نطاق السلع والخدمات التي يغطيها وطريقة احتسابه.

مؤشر أسعار المستهلك

يعد مؤشر أسعار المستهلك، أو CPI، أحد أشهر مقاييس التضخم. فهو يتابع تغير أسعار مجموعة من السلع والخدمات التي يشتريها المستهلكون، بما في ذلك الغذاء والسيارات والتعليم والترفيه وغيرها.

ويعكس المؤشر التغير في الأسعار التي يتحملها المستهلك، لكنه لا يغطي بعض البنود، مثل المدخرات والاستثمارات.

مؤشر أسعار المنتجين

يقيس PPI تغير الأسعار من منظور المنتجين المحليين، ويشمل مجموعة من السلع مثل الوقود والمنتجات الزراعية والمواد الكيميائية والمعادن.

وتكمن أهمية هذا المؤشر في أن ارتفاع تكاليف المنتجين قد ينتقل لاحقاً إلى أسعار المنتجات النهائية، وبالتالي يظهر أثره في أسعار المستهلكين.

معامل انكماش الناتج المحلي الإجمالي

يقدم معامل انكماش الناتج المحلي الإجمالي مقياساً أوسع لتحركات الأسعار، إذ يغطي نطاقاً أكبر من السلع والخدمات المنتجة داخل الاقتصاد.

ويستخدم مكتب التحليل الاقتصادي الأمريكي هذا المؤشر ضمن الأدوات المستخدمة لرصد تغيرات الأسعار.

مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي

يرصد مؤشر PCE تغير أسعار السلع والخدمات التي يشتريها المستهلكون في الاقتصاد الأمريكي، ويغطي نطاقاً أوسع من الإنفاق مقارنة بسلة مؤشر أسعار المستهلك.

ومنذ عام 2012، أصبح مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي المقياس الأساسي الذي يعتمد عليه الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في قرارات السياسة النقدية.

لماذا ارتفع التضخم بقوة في بداية العقد الحالي؟

شهدت السنوات الأولى من عشرينيات القرن الحالي موجة تضخم قوية في العديد من الاقتصادات، وبرزت الضغوط بشكل خاص في أسعار الغذاء والطاقة.

وفي الولايات المتحدة، كان مؤشر أسعار المستهلك قبل عام 2020 يتحرك عند معدل يقارب 2% سنوياً، قبل أن يتسارع التضخم خلال عام 2021 ويصل إلى ذروة بلغت 8.99% في يونيو 2022.

وتزامنت هذه الموجة مع اضطرابات واسعة أحدثتها جائحة “كوفيد-19”. فقد ارتفع الطلب على بعض السلع، في الوقت الذي تعرضت فيه عمليات التصنيع والشحن وسلاسل الإمداد إلى اضطرابات كبيرة.

كما أدت السياسات المالية والنقدية التي اتخذت لدعم الاقتصادات خلال الجائحة إلى تعزيز الطلب، بينما حدت إغلاقات المصانع والقيود التجارية ومشكلات النقل من قدرة المعروض على الاستجابة.

ومع إعادة فتح الاقتصادات وتراجع البطالة، ازدادت الضغوط على سوق العمل، وهو ما ساهم في ارتفاع تكاليف العمالة والأسعار.

ولم تكن هذه الظاهرة محصورة في الولايات المتحدة، إذ شهدت دول عديدة حول العالم ضغوطاً تضخمية خلال عام 2022، قبل أن يبدأ التضخم في التراجع في عدد من الاقتصادات.

ما الأدوات المتاحة للسيطرة على التضخم؟

تمتلك الحكومات والبنوك المركزية عدداً من الأدوات التي يمكن استخدامها للحد من الضغوط التضخمية.

ويأتي رفع أسعار الفائدة في مقدمة أدوات السياسة النقدية الانكماشية، إذ يؤدي ارتفاع تكلفة الاقتراض إلى تقليص الحوافز على الاستهلاك والاستثمار، ومن ثم الحد من الطلب.

وعلى مستوى السياسة المالية، يمكن أن تسهم زيادة الضرائب أو خفض الإنفاق الحكومي في تقليص الطلب داخل الاقتصاد.

كما استخدمت حكومات مختلفة عبر التاريخ سياسات تقوم على تحديد أسعار بعض السلع، إلا أن هذه الإجراءات حققت نتائج محدودة في عدد من الحالات.

من يستفيد ومن يتضرر من التضخم؟

لا يوزع التضخم آثاره بالتساوي بين جميع الأطراف.

فقد يستفيد بعض المقترضين الذين لديهم ديون بأسعار فائدة ثابتة، لأن ارتفاع الأسعار يقلل القيمة الحقيقية للمدفوعات المستقبلية. وقد ترتفع أيضاً قيمة بعض الأصول خلال فترات التضخم.

في المقابل، يواجه المدخرون ضغوطاً عندما تتراجع القوة الشرائية للنقود، خصوصاً إذا كانت العوائد على مدخراتهم أقل من معدل التضخم.

كما تكون الأسر ذات الدخول المحدودة أكثر تعرضاً لتأثير ارتفاع الأسعار عندما يذهب جزء كبير من دخلها إلى الاحتياجات الأساسية، مثل الغذاء والسكن والطاقة والخدمات الضرورية.

أما الشركات، فقد تتمكن من حماية هوامش أرباحها إذا استطاعت رفع أسعار منتجاتها بما يتناسب مع زيادة التكاليف أو يتجاوزها. لكن إذا لم تكن قادرة على تمرير الزيادات إلى المستهلك، فقد تتعرض هوامش أرباحها لضغوط أكبر.

يكشف النظر إلى التضخم عن ظاهرة اقتصادية معقدة لا يمكن اختزالها في عامل واحد. فقد تبدأ الضغوط من ارتفاع تكلفة الإنتاج، أو من زيادة الطلب، أو من تغير توقعات الأسر والشركات، أو من السياسات المالية والنقدية، أو من تغير قيمة العملة.

ويمثل التمييز بين هذه المصادر خطوة أساسية لفهم مسار الأسعار. فتضخم دفع التكلفة يرتبط بارتفاع نفقات الإنتاج، بينما يظهر تضخم سحب الطلب عندما يتجاوز الإنفاق قدرة الاقتصاد على توفير السلع والخدمات، في حين يمكن للتوقعات المتعلقة بالأسعار والأجور أن تغذي التضخم المتأصل.

ولهذا تراقب البنوك المركزية مؤشرات الأسعار والنشاط الاقتصادي عن كثب عند اتخاذ قرارات السياسة النقدية. وبالنسبة للأفراد والمستثمرين، فإن فهم أسباب التضخم وطرق قياسه وآثاره يوفر أساساً أفضل لتقييم ما يمكن أن يحدث للمدخرات والاستثمارات والإنفاق عندما تدخل الأسعار في موجة ارتفاع مستمرة.

 

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى