الاقتصادية

التسونامي الفضي يهدد بتغيير قواعد سوق العقارات عالميًا

تواجه أسواق العقارات حول العالم تحولًا ديموغرافيًا قد يعيد صياغة واحدة من أكثر القواعد رسوخًا في القطاع، وهي أن تزايد عدد السكان يعني بالضرورة استمرار الطلب على المساكن وارتفاع قيمتها مع مرور الوقت.

لكن مع تقدم المجتمعات في العمر وتراجع معدلات المواليد، بدأت هذه القاعدة تواجه اختبارًا حقيقيًا، خصوصًا في الدول التي دخلت بالفعل مرحلة الانكماش السكاني.

وتبرز اليابان في مقدمة الدول التي تكشف ملامح هذا التحول، بعدما أصبحت المنازل المهجورة وانتشار العقارات غير المأهولة ظاهرة متنامية في العديد من المناطق الريفية.

ولم يعد التحدي هناك يتمثل في توفير مساكن جديدة للسكان، بقدر ما أصبح مرتبطًا بكيفية التعامل مع مخزون عقاري يتزايد بينما يتراجع عدد الأشخاص القادرين أو الراغبين في شغله.

وتكشف هذه التطورات عن ظاهرة يمكن وصفها بـ”التسونامي الفضي”، حيث يفرض ارتفاع أعداد كبار السن وتقلص الأجيال الشابة ضغوطًا جديدة على أسواق الإسكان، تمتد من أسعار العقارات إلى طبيعة الوحدات المطلوبة وحتى مستقبل المدن والقرى نفسها.

ظل نمو السكان لعقود طويلة أحد المحركات الأساسية للطلب العقاري، إذ يؤدي ارتفاع عدد الأسر إلى زيادة الحاجة إلى المساكن، ويدعم في الوقت ذاته قيم الأراضي والعقارات.

غير أن المشهد يتغير في الاقتصادات التي تتراجع فيها معدلات الخصوبة بالتزامن مع ارتفاع متوسط العمر. ففي هذه الأسواق، يصبح عدد الأسر الجديدة أقل، بينما يحتفظ كبار السن بمساكنهم لفترات أطول أو ينتقلون لاحقًا إلى وحدات أصغر، ما يغير حركة المعروض والطلب.

وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 65 عامًا فأكثر سيشكلون نحو واحد من كل ستة أشخاص حول العالم بحلول عام 2050، مقارنة بنحو واحد من كل عشرة في عام 2021.

وفي الوقت ذاته، يؤدي انخفاض معدلات الإنجاب في العديد من الاقتصادات المتقدمة إلى تقليص حجم الأجيال التي ستدخل سوق شراء المنازل مستقبلًا، الأمر الذي قد يجعل بعض المناطق أكثر عرضة لتراجع الطلب العقاري.

تقدم اليابان نموذجًا واضحًا لما يمكن أن يحدث عندما تتقاطع الشيخوخة السكانية مع انخفاض أعداد السكان والهجرة الداخلية نحو المدن الكبرى.

فقد بدأ عدد سكان اليابان في التراجع منذ عام 2008، وأصبح الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 65 عامًا أو أكثر يمثلون قرابة ثلث السكان.

ومع استمرار انتقال الشباب إلى المراكز الحضرية، فقدت العديد من البلدات والقرى الريفية جزءًا كبيرًا من سكانها، ما أدى إلى ارتفاع عدد المنازل التي لم يعد لها مستخدمون دائمون.

وأظهرت البيانات الرسمية لعام 2024 وصول عدد المنازل الشاغرة إلى نحو 9 ملايين وحدة، بما يعادل حوالي 13.8% من إجمالي المساكن، وهو مستوى قياسي.

وفي بعض المناطق، أصبحت المنازل القديمة تُعرض بأسعار منخفضة للغاية، بينما لجأت جهات محلية إلى تقديم عقارات بأسعار رمزية لاستقطاب سكان جدد، خاصة أن بعض هذه المساكن تحتاج إلى عمليات ترميم مكلفة قبل استخدامها.

لكن اليابان توضح أيضًا أن تأثير الشيخوخة لا يكون موحدًا داخل الدولة الواحدة. فالمناطق المركزية في طوكيو ما زالت تحافظ على جاذبيتها بفضل تركّز الوظائف والخدمات، ومحدودية الأراضي، واستمرار انتقال السكان والاستثمارات نحو العاصمة.

لا تبدو اليابان حالة منفردة، إذ تواجه اقتصادات أخرى في آسيا وأوروبا تحديات سكانية مشابهة.

فالصين دخلت مرحلة انخفاض عدد السكان في عام 2022، بالتزامن مع تراجع المواليد وضعف تكوين الأسر الجديدة. وتزامن ذلك مع أزمة طويلة في قطاع العقارات، ما أدى إلى زيادة الضغوط على الطلب السكني، خاصة في المدن التي لا تتمتع بجاذبية اقتصادية كافية.

وفي كوريا الجنوبية، يمثل انخفاض معدل الخصوبة تحديًا إضافيًا لسوق الإسكان. وبينما تستفيد سول من تركّز الوظائف والخدمات ومحدودية الأراضي، تواجه بعض المدن الإقليمية ظروفًا أكثر صعوبة نتيجة انخفاض أعداد السكان.

أما إيطاليا، فتتعامل مع مشكلة مشابهة في عدد من مناطقها، ولا سيما البلدات الصغيرة والجنوبية التي فقدت سكانًا نتيجة انخفاض المواليد والهجرة.

وفي محاولة لمواجهة هذا التراجع، أطلقت بعض البلديات برامج لبيع المنازل المهجورة بأسعار رمزية، بهدف جذب سكان جدد وتحويل العقارات الخالية إلى وسيلة لإعادة تنشيط المجتمعات المحلية.

لا تعني الشيخوخة السكانية بالضرورة أن أسعار العقارات ستتراجع في جميع المناطق. فالعامل الديموغرافي يعمل بالتوازي مع عناصر أخرى، أبرزها سوق العمل، والهجرة، وتوافر الخدمات، والبنية التحتية، ومحدودية الأراضي.

 

ولهذا قد تستمر المدن الكبرى في جذب السكان حتى داخل دول تشهد انخفاضًا إجماليًا في عدد سكانها، بينما تعاني المناطق الريفية والمدن الصغيرة من انخفاض الطلب وتزايد الوحدات الشاغرة.

وقد يؤدي ذلك إلى اتساع الفجوة العقارية بين المناطق القادرة على استقطاب السكان والوظائف، وتلك التي تدخل تدريجيًا في دائرة الانكماش السكاني.

لا يتعلق تأثير التحول الديموغرافي بعدد المشترين فقط، بل يمتد أيضًا إلى نوعية المساكن التي يحتاجها السوق.

فمع تقدم السكان في العمر، يرتفع الطلب على الوحدات الأصغر والأكثر سهولة في الاستخدام، خصوصًا تلك القريبة من الخدمات الصحية ووسائل النقل والمرافق اليومية.

في المقابل، قد تفقد المنازل العائلية الكبيرة في الضواحي جزءًا من جاذبيتها عندما يغادر الأبناء منزل الأسرة، ويصبح الحفاظ على مساحة واسعة أكثر تكلفة بالنسبة لكبار السن الذين يعيشون بمفردهم.

ومن هنا بدأت شركات التطوير العقاري في بعض الدول بإعادة تصميم مشاريعها لتتلاءم مع مجتمع أكثر تقدمًا في العمر، من خلال اعتماد مبانٍ أكثر سهولة في الحركة، وتوفير المصاعد والخدمات القريبة، وتحسين كفاءة الطاقة، وإدماج الخدمات الصحية ضمن بعض المجمعات السكنية.

لطالما ركزت السياسات السكنية على كيفية زيادة المعروض لمواجهة ارتفاع الطلب، لكن التحولات الديموغرافية قد تفرض معادلة مختلفة في المستقبل.

ففي بعض الأسواق، قد لا تكون المشكلة في نقص المنازل، وإنما في وجود وحدات سكنية أكثر من عدد الأسر القادرة على شغلها.

وهذا السيناريو يفرض ضغوطًا على قيمة العقارات، خصوصًا في المناطق التي تفقد سكانها بشكل مستمر ولا تستطيع تعويضهم من خلال الهجرة أو خلق فرص عمل جديدة.

وبالتالي، قد تصبح أسعار الفائدة والسياسات التمويلية أقل قدرة على تفسير اتجاهات السوق بمفردها، بينما تزداد أهمية المتغيرات الديموغرافية والاقتصادية في تحديد مستقبل أسعار العقارات.

Silver Tsunami: Navigating the Wave - CENTURY 21 CopperKey Realty

قد لا يظهر تأثير الشيخوخة السكانية بسرعة تأثير الأزمات المالية أو تغيرات أسعار الفائدة، لكنه يمتلك قدرة أكبر على إعادة تشكيل السوق على مدى عقود.

فمع ارتفاع أعداد كبار السن وتراجع الخصوبة، ستضطر الحكومات والمطورون والمستثمرون إلى إعادة التفكير في مفهوم الطلب العقاري، ليس فقط من حيث عدد الوحدات المطلوبة، وإنما من حيث مواقعها وتصميمها والفئات التي تستهدفها.

وفي المرحلة المقبلة، قد تتحول المنافسة بين المدن من سباق لبناء أكبر عدد ممكن من الوحدات السكنية إلى سباق أكثر تعقيدًا لجذب السكان والوظائف والاستثمارات.

وهكذا، قد يصبح مستقبل العقارات مرتبطًا بقدرة المدن على الحفاظ على سكانها واستقطاب أجيال جديدة، بينما تواجه المناطق المتراجعة سؤالًا أكثر صعوبة: كيف تحافظ على قيمة ملايين المنازل القائمة في عالم يتغير فيه عدد السكان وأعمارهم بصورة لم يشهدها سوق الإسكان من قبل؟

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى