الاقتصادية

هل بدأ كبار المستثمرين في تقليص رهانهم على سندات الخزانة الأمريكية؟

لم تعد جاذبية سندات الخزانة الأمريكية كأحد أهم الأصول الآمنة في العالم بمنأى عن إعادة التقييم، بعدما برزت مؤشرات على توجه بعض كبار المستثمرين الدوليين إلى تقليص وزن الدين الحكومي الأمريكي داخل محافظهم، في تحول قد يبدو محدودًا من حيث الحجم، لكنه يفتح بابًا أوسع للنقاش حول مستقبل الطلب العالمي على السندات الأمريكية.

وفي مقدمة هذه التحركات يأتي صندوق التقاعد الحكومي النرويجي، أكبر صندوق سيادي في العالم، الذي يدرس إعادة توزيع جزء من استثماراته في أدوات الدخل الثابت، بما يقلل الاعتماد على السندات الحكومية ويفتح المجال أمام أصول أخرى ذات عوائد ومخاطر أعلى.

ولا يعني هذا التوجه أن المستثمر النرويجي فقد ثقته في الاقتصاد الأمريكي أو الدولار، لكنه يعكس تغيرًا في معادلة الاستثمار، بعدما أصبح البحث عن العائد وتنويع مصادر المخاطر أكثر أهمية في إدارة المحافظ الضخمة.

وتكتسب هذه الخطوة حساسية خاصة في ظل تجربة لا تزال حاضرة في ذاكرة الأسواق، عندما شهدت سندات الخزانة الأمريكية نفسها اضطرابات حادة خلال مارس 2020.

ففي ذلك الوقت، تحول المستثمرون إلى بيع السندات بهدف الحصول على السيولة النقدية، بينما عجزت آليات الوساطة التقليدية عن استيعاب التدفقات الكبيرة في وقت واحد، الأمر الذي استدعى تدخل الاحتياطي الفيدرالي لإعادة السيولة إلى السوق.

في الأول من سبتمبر، طرح بنك النرويج مقترحًا يقضي بخفض الوزن المستهدف للسندات الحكومية داخل مؤشر الدخل الثابت لصندوق التقاعد الحكومي من 70% إلى 50%.

وتستند الفكرة، بحسب التبريرات المرتبطة بالمقترح، إلى أن الاحتفاظ بنصف محفظة الدخل الثابت في السندات الحكومية يمكن أن يوفر مستوى السيولة المطلوب، بينما يمكن استثمار النسبة المتبقية في أدوات مالية تمنح الصندوق فرصة لتحقيق عوائد إضافية مقابل تحمل مستويات مختلفة من المخاطر.

وقد تشمل عملية إعادة التوزيع سندات الشركات، والأوراق المالية المدعومة بالأصول، إضافة إلى أدوات مرتبطة بجهات حكومية.

وبحسب تقديرات نقلتها «رويترز»، قد يؤدي تطبيق الخطة إلى خفض حيازة الصندوق من سندات الخزانة الأمريكية بنحو 80 مليار دولار، مقارنة بنحو 215 مليار دولار كانت موجودة في حيازاته بنهاية يونيو.

لكن السوق لن تواجه موجة بيع مفاجئة في حال إقرار المقترح، إذ لن يبدأ التنفيذ المتوقع قبل منتصف عام 2027، كما ستتم عمليات إعادة التوزيع بصورة تدريجية لتقليل تكاليف التداول والحد من أي تأثير مباشر على الأسعار.

أرقام تكشف محدودية التأثير المباشر

المؤشرالوضع الحاليالمقترحماذا يعني؟
وزن السندات الحكومية في مؤشر الدخل الثابت70%50%مساحة أكبر للتنويع
وزن سندات الخزانة الأمريكية في المؤشر34.1%21.9%تراجع ملحوظ للانكشاف الأمريكي
حيازات الصندوق من السندات الأمريكية215 مليار دولارخفض بنحو 80 مليار دولارإعادة توزيع مهمة للصندوق
حجم السندات الأمريكية القابلة للتداول31.5 تريليون دولارسوق ضخمة وعميقة
متوسط التداول اليومي1.204 تريليون دولارسيولة مرتفعة في الظروف الطبيعية

وتوضح هذه البيانات أن عملية إعادة التخصيص النرويجية، رغم حجمها الكبير بالنسبة إلى الصندوق، تبقى محدودة مقارنة بحجم سوق الخزانة الأمريكية.

فخفض نحو 80 مليار دولار على مدى فترة زمنية طويلة لا يكفي بمفرده لإحداث صدمة في سوق تبلغ قيمة أوراقها القابلة للتداول نحو 31.5 تريليون دولار، وتستوعب يوميًا تداولات تتجاوز تريليون دولار.

كما أن التحرك النرويجي لا يمثل انسحابًا من الولايات المتحدة. فالمقترح يتيح للصندوق توجيه جزء من استثماراته إلى أوراق مالية مدعومة برهون عقارية صادرة أو مضمونة من وكالات أمريكية، بينما من المنتظر أن يظل انكشافه على الدولار قريبًا من مستوياته الحالية.

بمعنى آخر، نحن أمام إعادة توزيع داخل المنظومة المالية الأمريكية أكثر من كونه خروجًا منها.

تكمن أهمية هذه التطورات في تأثيرها المحتمل على ما يعرف بـ«علاوة الأجل».

فالمستثمر الذي يشتري سندات أمريكية طويلة الأجل لا ينظر فقط إلى توقعات أسعار الفائدة، وإنما يطلب أيضًا تعويضًا عن المخاطر المرتبطة بالتضخم وعدم اليقين الاقتصادي وتقلبات السوق وطول الفترة التي سيبقى خلالها رأس المال مستثمرًا.

وكان الطلب القوي من البنوك المركزية والصناديق السيادية أحد العوامل التي ساعدت تاريخيًا في دعم سوق الخزانة والحد من الضغوط على العوائد.

لكن إذا بدأ هذا الطلب في التراجع بشكل تدريجي، فقد تحتاج وزارة الخزانة الأمريكية إلى تقديم عوائد أعلى لجذب مشترين آخرين.

وهنا لا يشترط الأمر حدوث موجة بيع واسعة. فقد يكون انخفاض الطلب الجديد كافيًا لدفع العوائد إلى الارتفاع، لأن المستثمرين الجدد سيطالبون بأسعار أكثر جاذبية للدخول إلى السوق.

ومع ذلك، فإن تحرك النرويج وحده لا يمثل تهديدًا حقيقيًا للسوق، وإنما تبرز المخاطر إذا تحول هذا السلوك إلى توجه واسع بين الصناديق السيادية والبنوك المركزية.

تزداد حساسية المسألة عند النظر إلى حجم الاستثمارات الأجنبية في سوق الدين الأمريكي.

ففي يونيو، بلغت حيازات المستثمرين الأجانب من سندات الخزانة الأمريكية نحو 9.299 تريليون دولار.

وهذا يعني أن قرار مؤسسة واحدة بإعادة توزيع عشرات المليارات من الدولارات لا يمثل مشكلة في حد ذاته، لكن الصورة قد تختلف جذريًا إذا اتجه عدد كبير من المستثمرين الرسميين إلى خفض الوزن الاستراتيجي للسندات الأمريكية في الوقت نفسه.

وفي هذه الحالة، سيصبح السؤال الرئيسي بالنسبة للأسواق ليس مقدار ما يبيعه المستثمرون الأجانب، وإنما من سيكون مستعدًا لشراء هذه السندات وبأي عائد؟

فإذا لم يكن الطلب المحلي أو الأجنبي الجديد كافيًا لاستيعاب الإصدارات الحكومية، فإن السوق قد تحتاج إلى أسعار أقل للسندات، وبالتالي عوائد أعلى حتى تجد الخزانة مشترين جددًا.

ثلاثة مسارات محتملة أمام السوق

السيناريوالتطور المحتملالتأثير المرجح
إعادة توزيع هادئةخفض تدريجي لحيازات الخزانة مقابل سندات الشركات والأصول المدعومةارتفاع محدود في العوائد دون اضطراب
تحول عالمي تدريجيصناديق سيادية ومؤسسات رسمية عديدة تقلص الوزن الاستراتيجي للسندات الأمريكيةارتفاع العوائد طويلة الأجل وزيادة تكلفة الاقتراض
موجة بيع متزامنةإعادة تخصيص واسعة تتزامن مع صدمة تضخمية أو نقص في السيولة الدولاريةاضطراب حاد واحتمال تدخل رسمي

ويعد السيناريو الثاني الأكثر أهمية على المدى الطويل، لأنه لا يتطلب حدوث أزمة فورية حتى تظهر آثاره.

فإذا أصبح الاحتفاظ بالسندات الأمريكية أقل جاذبية نسبيًا مقارنة بأصول أخرى، فقد ترتفع تكلفة التمويل الحكومي بصورة تدريجية، حتى من دون حدوث عمليات بيع واسعة.

يمتد تأثير ارتفاع العوائد الأمريكية إلى أجزاء واسعة من الاقتصاد والأسواق المالية.

فالسندات الحكومية الأمريكية تمثل مرجعًا رئيسيًا لتسعير العديد من الأصول، ولذلك فإن صعود عوائدها طويلة الأجل يمكن أن يرفع تكلفة الاقتراض بالنسبة إلى الشركات والأسر، كما يؤثر على معدلات الرهن العقاري وتقييمات الأسهم.

US Treasuries losing the control they had | opinions | ING THINK

وقد تنشأ حلقة ضغط متبادلة؛ فارتفاع تكلفة خدمة الدين يزيد الاحتياجات التمويلية للحكومة، بينما يؤدي استمرار الإصدارات الكبيرة إلى زيادة المعروض من السندات، وهو ما قد يتطلب بدوره عوائد أعلى إذا لم يرتفع الطلب بالوتيرة نفسها.

لكن هذا لا يعني أن الولايات المتحدة ستجد نفسها عاجزة عن الاقتراض، وإنما أن ثمن الحصول على التمويل قد يصبح أعلى.

ربما يكون الدرس الأبرز من أزمة 2020 أن حجم السوق وحده لا يكفي لضمان السيولة في جميع الظروف.

فخلال تلك الفترة، تزامنت عمليات البيع من جانب عدد كبير من المستثمرين مع رغبة قوية في الحصول على النقد، ما أدى إلى اختلال مؤقت بين حجم الأوامر المعروضة وقدرة الوسطاء على التعامل معها.

وعلى الرغم من المكانة الاستثنائية لسندات الخزانة باعتبارها من أكثر الأصول تداولًا وسيولة في العالم، فإن السوق تعرضت لضغوط كبيرة، واضطر الاحتياطي الفيدرالي إلى إطلاق تدخلات واسعة لاحتواء الاضطراب ودعم آليات التمويل.

ومن هنا يظهر الفارق بين البيع المنظم والبيع تحت الضغط.

الأول يمكن للسوق استيعابه تدريجيًا، خصوصًا عندما يتم على سنوات، أما الثاني فقد يتحول بسرعة إلى مشكلة سيولة حتى لو كان الأصل نفسه يتمتع بأعلى درجات الأمان الائتماني.

رغم أهمية التحول النرويجي، لا توجد في هذه الخطوة وحدها إشارة كافية إلى أن المستثمرين العالميين بدأوا في التخلي عن الأصول الأمريكية.

فبيانات يونيو أظهرت استمرار الطلب الأجنبي، مع تسجيل 207.1 مليار دولار من صافي مشتريات المستثمرين الأجانب للأوراق المالية الأمريكية طويلة الأجل، من بينها 37.3 مليار دولار للمؤسسات الرسمية الأجنبية.

كما أن صندوق النرويج لا يخطط للابتعاد عن السوق الأمريكية بصورة كاملة، بل يعيد توزيع جزء من استثماراته بين أنواع مختلفة من الأصول.

The Bond Market Might Be Getting Out Of Control (SPX) | Seeking Alpha

لذلك، فإن وصف الخطوة بأنها «هروب من الدين الأمريكي» سيكون مبالغة في قراءة المعطيات الحالية.

الأهمية الحقيقية للتحرك النرويجي لا تكمن في قيمة الـ80 مليار دولار المحتملة بحد ذاتها، وإنما في السؤال الذي قد يطرحه القرار على بقية كبار المستثمرين.

فلسنوات طويلة كان السؤال الأساسي هو: ما مقدار السندات الحكومية التي نحتاجها لتوفير الأمان والسيولة؟

أما الآن، فقد يتحول السؤال إلى: ما الحد الذي يكفي من هذه السندات، وما الأصول التي يمكن أن تحقق عائدًا أفضل بالجزء المتبقي؟

إذا ظل هذا التفكير محصورًا في إعادة توزيع تدريجية للمحافظ، فقد يكون أثره الرئيسي ارتفاعًا محدودًا وتدريجيًا في علاوة الأجل والعوائد طويلة الأجل.

لكن الخطر يصبح أكبر إذا تحولت هذه الرؤية إلى استراتيجية مشتركة تتبناها صناديق سيادية وبنوك مركزية متعددة، خصوصًا إذا تزامن ذلك مع تضخم مرتفع، واحتياجات تمويل حكومية ضخمة، وضغوط على السيولة الدولارية.

عندها لن تكون المشكلة في قرار النرويج وحده، بل في احتمال تغير قاعدة الطلب على الدين الأمريكي عالميًا.

وهنا تحديدًا تعود تجربة مارس 2020 إلى الواجهة: الأزمة لا تبدأ بالضرورة عندما يقرر مستثمر كبير البيع، وإنما عندما يتحرك عدد كبير من المستثمرين في الاتجاه نفسه، وفي التوقيت نفسه، وبسرعة لا يستطيع السوق استيعابها.

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى