الأخبارالاقتصادية

التنمية الذاتية في العمل.. عندما لا يكون الموظف هو المشكلة

تحولت التنمية الذاتية داخل عالم الأعمال من خيار إضافي إلى صناعة متكاملة تتسع يوماً بعد آخر، مع تزايد اعتماد الشركات على برامج التدريب الفردي، وورشات المهارات الناعمة، والذكاء العاطفي، والقيادة، وغيرها من الأدوات التي تستهدف تطوير الموظفين وتحسين أدائهم.

وتراهن المؤسسات من خلال هذه البرامج على بناء فرق أكثر قدرة على التواصل، وإدارة الضغوط، وحل الخلافات، وتعزيز الإنتاجية. غير أن انتشار هذه المقاربات يطرح في المقابل سؤالاً أساسياً: هل تكمن مشكلات الشركات دائماً في مهارات الموظفين، أم أن بعض الأزمات تحتاج إلى تغيير في طريقة إدارة المؤسسة نفسها؟

توضح التجارب المهنية أن اللجوء إلى التنمية الذاتية لا يكون ناجحاً بالضرورة في جميع الحالات، خصوصاً عندما تُستخدم لمعالجة مشكلات ذات جذور تنظيمية أو إدارية.

قد يجد موظف نفسه في وضع مهني صعب بسبب ضعف الأداء أو صعوبة التواصل أو عدم القدرة على إدارة فريق، فتكون الاستجابة المعتادة هي إحالته إلى دورة تدريبية أو برنامج للتدريب الشخصي.

لكن هذه المقاربة قد تغفل أحياناً السبب الحقيقي للمشكلة.

فإذا كانت المسؤوليات غير محددة، والأهداف متضاربة، وقنوات التواصل داخل المؤسسة ضعيفة، فإن مطالبة الموظف بتحسين أدائه الفردي لن تكون كافية لمعالجة الخلل.

وقد يؤدي التركيز المفرط على الفرد إلى تحميله مسؤولية مشكلة تتجاوز قدراته، في حين تبقى الأسباب المرتبطة بالهيكل التنظيمي أو أسلوب الإدارة دون معالجة.

ومن هنا تظهر إحدى أبرز مخاطر التنمية الذاتية داخل الشركات: استخدام تطوير الموظف كبديل عن إصلاح البيئة التي يعمل فيها.

لا تتوقف الإشكالية عند التدريب الفردي، بل تمتد أيضاً إلى برامج المهارات الناعمة التي أصبحت تحظى باهتمام كبير داخل الشركات.

فالتواصل الفعال، والذكاء العاطفي، والقيادة، والقدرة على التعبير عن الرأي، كلها مهارات يمكن أن تساهم في تحسين بيئة العمل.

لكن المشكلة تظهر عندما تدعو المؤسسة موظفيها إلى تبني هذه القيم دون أن توفر لهم البيئة المناسبة لتطبيقها.

فمن الصعب تشجيع الموظفين على التعبير بحرية إذا كانت ثقافة المؤسسة لا تتقبل النقد، كما يصعب مطالبتهم بالابتكار والمبادرة في بيئة إدارية تعاقب على الخطأ ولا تمنح مساحة للتجربة.

وفي هذه الحالة، قد يشعر الموظف بوجود تناقض بين ما يسمعه خلال الدورات التدريبية وما يواجهه يومياً في مكان العمل.

ومع الوقت، يمكن لهذا التناقض أن يحول برامج التطوير من مصدر للتحفيز إلى مصدر إضافي للإحباط.

أحد أبرز التحديات يتمثل أيضاً في الاعتقاد بأن التدريب أو الإرشاد الشخصي قادر على حل مختلف أنواع المشكلات داخل المؤسسات.

فبعض الأزمات تكون مرتبطة بخلل في الإجراءات، أو ضعف في التنظيم، أو نقص في الموارد، أو سوء توزيع للمهام، أو استخدام أدوات غير مناسبة.

وفي مثل هذه الحالات، قد يكون الحل في إعادة تصميم العمليات أو مراجعة الهيكل الإداري أو تحسين الأنظمة المستخدمة، وليس في تنظيم ورشة جديدة للموظفين.

وقد تستثمر المؤسسة في جلسات جماعية ومساحات للحوار، بينما ينتظر الموظفون في الواقع قرارات عملية قادرة على تغيير الظروف التي يعملون فيها.

الاستماع إلى العاملين خطوة مهمة، لكنه يفقد قيمته إذا لم يتحول إلى إجراءات وقرارات ملموسة.

فالموظف الذي يشارك مشكلاته ثم يكتشف لاحقاً أن شيئاً لم يتغير قد يصبح أكثر إحباطاً من السابق.

يحمل خطاب التنمية الذاتية أيضاً جانباً آخر يرتبط بما يعرف بـ”الإيجابية السامة” أو الإيجابية المفروضة داخل بيئة العمل.

فالتشجيع المستمر على التفاؤل، والتركيز على الجوانب الإيجابية، والتحلي بالمرونة، وتجنب الطاقة السلبية، قد يبدو مفيداً في البداية.

لكن الإفراط في هذه الرسائل قد يؤدي إلى تجاهل المشكلات الحقيقية.

فليس كل اعتراض دليلاً على السلبية، وليس كل انتقاد مؤشراً على ضعف روح الفريق. وفي بعض الأحيان، يكون التعبير عن عدم الرضا أو كشف خلل داخل المؤسسة ضرورياً لمنع المشكلة من التفاقم.

كما أن مطالبة الموظفين باستمرار بأن يكونوا “حقيقيين” أو أن يكشفوا عن مشاعرهم قد تتجاوز أحياناً الحدود الطبيعية للعلاقة المهنية.

وبذلك، يمكن أن تتحول الرغبة في بناء بيئة عمل مريحة إلى محاولة لإزالة كل أشكال التوتر والخلاف، رغم أن النقاش والاختلاف قد يكونان ضروريين لاتخاذ قرارات أفضل.

رغم الانتقادات، لا يعني ذلك أن برامج التنمية الذاتية غير مفيدة للشركات.

فعندما يتم اختيارها بناءً على احتياجات حقيقية، يمكن أن تساعد الموظفين على تطوير مهارات التواصل والقيادة وإدارة الوقت والتعامل مع الضغوط والعمل الجماعي.

غير أن فعاليتها ترتبط بمدى انسجامها مع واقع المؤسسة.

فإذا كان الخلل في الموظف، قد يكون التدريب هو الحل المناسب. وإذا كان الخلل في الإدارة، فالحل قد يتطلب تغيير أسلوب القيادة. أما إذا كان مرتبطاً بالعمليات أو التكنولوجيا أو توزيع الموارد، فإن معالجة هذه الجوانب تصبح أكثر أولوية.

لذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن تطرحه الشركات قبل إطلاق أي برنامج للتنمية الذاتية ليس: “ما الدورة التي نحتاج إليها؟”، وإنما: “ما المشكلة التي نحاول حلها فعلاً؟”.

هذا التشخيص هو الذي يحدد الأداة المناسبة، وليس العكس.

يمكن للتنمية الذاتية أن تصبح عاملاً مساعداً في تطوير المؤسسات، لكنها لا تستطيع بمفردها إصلاح الاختلالات الهيكلية.

والشركة التي تريد تحقيق نتائج مستدامة تحتاج إلى الجمع بين الاستثمار في العنصر البشري وتحسين التنظيم الداخلي، وتطوير الأدوات، وتعزيز جودة الإدارة، وتوفير بيئة تسمح للموظفين بتطبيق ما يتعلمونه.

أما تحويل كل مشكلة إلى مسألة تتعلق بشخصية الموظف أو مهاراته، فقد يؤدي في النهاية إلى إخفاء الأسباب الحقيقية للأزمات.

وبالتالي، فإن قيمة التنمية الذاتية داخل الشركات لا تُقاس بعدد الدورات والورشات التي تنظمها المؤسسة، وإنما بقدرتها على إحداث تغيير حقيقي عندما تكون هي الأداة المناسبة.

فالتطوير الفردي مهم، لكن المؤسسة الأكثر نجاحاً هي التي تدرك أن تطوير الأشخاص لا يمكن أن يعوض دائماً عن إصلاح النظام الذي يعملون داخله.

 

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى