اقتصاد المغربالأخبارالاقتصادية

العمل عن بُعد يضغط على فرص الشباب ويعيد تشكيل سوق الوظائف

بعد سنوات من التحول الذي فرضته جائحة كورونا على بيئة العمل، بدأت تداعيات نموذج العمل عن بُعد تظهر في جانب أكثر حساسية يتعلق بفرص الشباب والخريجين الجدد. فبينما منح العمل من المنزل الموظفين ذوي الخبرة مرونة أكبر، تشير أبحاث حديثة إلى أن بعض الشركات أصبحت أكثر تحفظاً تجاه توظيف الكفاءات في بداية مسارها المهني.

وتتمثل إحدى أبرز المشكلات في صعوبة نقل الخبرة والتعلم داخل بيئة العمل الافتراضية. فالموظف الجديد لا يحصل بالضرورة على الفرص نفسها لمراقبة زملائه الأكثر خبرة، أو التواصل المباشر مع المديرين والمرشدين المهنيين، أو اكتساب المهارات التي تأتي عادة من الاحتكاك اليومي داخل المكتب.

ويرى عدد من أصحاب الشركات أن هذه الفجوة تفرض تكلفة إضافية على المؤسسات، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بتدريب الموظفين المبتدئين.

ونقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» عن جيسون كروفورد، مؤسس شركة ناشئة، أن تدريب الموظفين الشباب عن بُعد قد يستنزف وقت العاملين الأكثر خبرة، رغم أن العمل من المنزل قد يكون أكثر فعالية بالنسبة إلى الموظفين الذين يمتلكون خبرة طويلة.

وتأتي هذه المخاوف في وقت يواجه فيه جيل زد تحدياً آخر يتمثل في توسع استخدام الذكاء الاصطناعي في عدد متزايد من المهام التي كانت تشكل في السابق مدخلاً طبيعياً إلى سوق العمل.

وأظهرت دراسة حديثة أجراها باحثون في كلية لندن للاقتصاد أن حصة الوظائف المخصصة للمبتدئين في عدد من الدول تراجعت بأكثر من 14 في المائة منذ عام 2019. واعتمد الباحثون في تحليلهم على أكثر من 400 مليون إعلان وظيفي منشور عبر الإنترنت.

وخلصت الدراسة إلى أن الشركات التي واصلت اعتماد العمل عن بُعد بعد انتهاء مرحلة الإغلاق المرتبطة بالجائحة كانت أكثر ميلاً إلى تقليص توظيف الموظفين في بداية مساراتهم المهنية.

ويفسر الباحثون ذلك بطبيعة الاستثمار الذي تقوم به الشركات عند توظيف خريج جديد، إذ لا تراهن المؤسسة فقط على قدراته الحالية، وإنما على تطور مهاراته بمرور الوقت. وبالتالي، فإن أي عامل يبطئ عملية التعلم واكتساب الخبرة يمكن أن يقلل من العائد المتوقع على هذا الاستثمار.

ومن هذا المنظور، قد يدفع العمل عن بُعد بعض الشركات إلى تفضيل الموظفين الأكثر خبرة، باعتبار أنهم قادرون على أداء مهامهم باستقلالية أكبر ولا يحتاجون إلى القدر نفسه من التوجيه والتدريب.

ويضع هذا التحول الشباب أمام مفارقة لافتة. فمن جهة، يمثل العمل المرن بالنسبة إلى كثير منهم ميزة مهمة تساعد على تحقيق توازن أفضل بين الحياة المهنية والشخصية، ومن جهة أخرى، قد يؤدي الاعتماد المفرط على العمل عن بُعد إلى تقليص فرص الحصول على الوظيفة الأولى التي تشكل أساس المسار المهني.

وتشير بيانات استطلاع أجرته مؤسسة «غالوب» العام الماضي إلى أن أقل من ربع أفراد جيل زد يفضلون العمل عن بُعد بشكل كامل، وهي نسبة تقل عن تلك المسجلة لدى الأجيال الأكبر سناً.

وتعكس هذه الأرقام أن الشباب لا ينظرون بالضرورة إلى المكتب باعتباره عائقاً أمام المرونة، بل قد يرونه أيضاً مساحة للتعلم وبناء العلاقات المهنية واكتساب الخبرة.

وتبرز تجربة مطورة البرمجيات داربي فيرنون هذه المفارقة، بعدما عملت سابقاً لدى شركة تتيح لموظفيها العمل من المنزل. وفي ظل ذلك النموذج، كان حضور عدد محدود من الموظفين الشباب إلى المكتب، ما قلل من فرص التفاعل اليومي بين المبتدئين وزملائهم الأكثر خبرة.

رغم ذلك، لا يمكن اختزال توجهات جيل زد في الرغبة بالعودة الكاملة إلى المكاتب. فجزء كبير من هذه الفئة لا يزال يرى أن المرونة عنصر أساسي في مستقبل العمل.

وأظهر استطلاع أجرته «ديلويت» أن 6 في المائة فقط من أفراد جيلي زد وجيل الألفية يعتبرون الوصول إلى منصب قيادي هدفاً مهنياً رئيسياً، بينما قال أكثر من 40 في المائة إن ترتيبات العمل المرنة ستكون عاملاً أساسياً في قرارهم بشأن تولي أدوار قيادية مستقبلاً.

وتكشف هذه المعطيات عن تغير في تعريف النجاح المهني لدى الأجيال الجديدة، حيث لم يعد التدرج التقليدي في السلم الوظيفي هو المعيار الوحيد، بل أصبحت المرونة وجودة الحياة والتوازن بين العمل والالتزامات الشخصية عوامل مؤثرة في القرارات المهنية.

في المقابل، يرى بعض الاقتصاديين أن ربط تراجع الوظائف المبتدئة بالعمل عن بُعد قد يحمل جانباً إيجابياً، إذا كان ذلك يعني أن الذكاء الاصطناعي لم يصبح بعد العامل الرئيسي وراء تقلص فرص الشباب.

ويشير باحثو كلية لندن للاقتصاد إلى أن المشكلات المرتبطة بأدوات التواصل والعمل عن بُعد، مثل «زووم» و«سلاك»، يمكن للشركات تطوير حلول لها من خلال تحسين أساليب التدريب والتوجيه وبناء فرق العمل.

أما إذا كان الذكاء الاصطناعي هو المحرك الأساسي وراء انخفاض الطلب على الموظفين المبتدئين، فإن التحدي سيكون أكثر تعقيداً، بالنظر إلى سرعة تطور هذه التكنولوجيا واتساع نطاق استخدامها في مختلف القطاعات.

وفي الوقت الحالي، تشير المعطيات إلى أن سوق العمل لم يصل بعد إلى مرحلة يمكن فيها تحميل الذكاء الاصطناعي وحده مسؤولية تراجع الوظائف المبتدئة. غير أن الجمع بين التحول الرقمي والعمل عن بُعد يفرض على الشركات إعادة التفكير في كيفية تدريب الشباب وإدماجهم، وعلى الخريجين الجدد اكتساب مهارات عملية ورقمية تجعلهم أكثر قدرة على المنافسة.

 

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى