اقتصاد المغربالشركات

2 مليون دولار فقط تضع المغرب في المرتبة الخامسة بتمويلات الشركات الناشئة

شهد سوق تمويل الشركات الناشئة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تحسناً نسبياً خلال يوليوز 2026، غير أن هذا الانتعاش ظل محدوداً من حيث الحجم ومتركزاً بشكل كبير في عدد قليل من الأسواق، بينما واصل المغرب تسجيل حضور متواضع على مستوى جذب رؤوس الأموال الموجهة إلى الشركات الناشئة.

وأظهرت أحدث بيانات منصة Wamda أن الشركات الناشئة في المنطقة تمكنت خلال يوليوز من جمع حوالي 172.6 مليون دولار عبر 45 صفقة استثمارية، بارتفاع نسبته 16 في المائة مقارنة بشهر يونيو. إلا أن هذه القيمة تبقى أقل بنحو 78 في المائة من التمويلات المسجلة خلال يوليوز من العام الماضي، ما يعكس استمرار حالة الحذر التي تطبع قرارات المستثمرين في المنطقة.

جاء المغرب في المرتبة الخامسة إقليمياً من حيث حجم التمويلات التي استقطبتها الشركات الناشئة خلال يوليوز، بعدما تمكنت شركة مغربية واحدة من جمع 2 مليون دولار.

ورغم أن هذه النتيجة أبقت المملكة ضمن قائمة الأسواق التي نجحت في جذب التمويلات خلال الشهر، فإن حجم الاستثمار يظل بعيداً عن المستويات المسجلة في الاقتصادات الإقليمية الكبرى، التي تستحوذ على الجزء الأكبر من رؤوس الأموال المتاحة للشركات الناشئة.

وتربعت السعودية على صدارة الترتيب بعدما جمعت شركاتها الناشئة نحو 106.6 مليون دولار، بينما حلت الإمارات العربية المتحدة في المركز الثاني بإجمالي تمويلات بلغ 46.6 مليون دولار.

وفي المقابل، سجلت سوريا مفاجأة لافتة بعدما تجاوزت المغرب، إذ تمكنت ثلاث شركات ناشئة سورية من جمع 10.16 مليون دولار. كما تفوقت مصر على المملكة، بعدما حصلت شركاتها الناشئة على 7.25 مليون دولار من خلال ثماني صفقات.

وتكشف هذه النتائج عن تركّز شديد لرأس المال الاستثماري في المنطقة، حيث استحوذت السعودية والإمارات وحدهما على ما يقارب 89 في المائة من إجمالي التمويلات المسجلة خلال يوليوز، في حين تقاسمت باقي الأسواق حصة محدودة من الاستثمارات.

ورغم الزيادة الشهرية في قيمة التمويلات، فإن قراءة مكونات هذه الاستثمارات تكشف أن السوق لم يستعد بعد الزخم الذي كان يميز السنوات السابقة.

ويعود جزء كبير من الارتفاع المسجل في يوليوز إلى تمويلات الديون، التي مثلت حوالي 56 في المائة من إجمالي رأس المال المستثمر، مقابل 11.5 في المائة خلال يونيو و2 في المائة فقط في يوليوز من العام الماضي.

ويشير هذا التحول إلى استمرار المستثمرين في تبني نهج أكثر تحفظاً، من خلال اللجوء إلى أدوات تمويل توفر مستويات أكبر من التحكم في المخاطر، بدلاً من ضخ رؤوس أموال كبيرة مقابل حصص ملكية في شركات ناشئة قد تحتاج سنوات قبل تحقيق عوائد واضحة.

ويؤثر هذا الاتجاه بشكل خاص على الشركات الناشئة الصغيرة والموجودة في مراحلها الأولى، والتي تعتمد بدرجة أكبر على رأس المال الجريء لتمويل تطوير منتجاتها وتوسيع فرق العمل والوصول إلى أسواق جديدة.

وبالنسبة إلى المغرب، فإن استمرار هذا الوضع قد يزيد من صعوبة حصول الشركات الناشئة المحلية على جولات تمويل كبيرة، خصوصاً في ظل المنافسة القوية من مراكز إقليمية تمتلك منظومات استثمارية أكثر نضجاً.

ورغم محدودية حجم التمويلات التي استقطبها المغرب خلال يوليوز، فإن الشركات المغربية تمكنت من تسجيل حضور في قطاع رقمي يحظى باهتمام متزايد، ويتعلق الأمر بتطبيقات الخدمات المتعددة “Super Apps”.

وشهد هذا القطاع تمويل شركتين، إحداهما مغربية والأخرى سورية، بإجمالي بلغ 12 مليون دولار، في مؤشر على استمرار اهتمام المستثمرين بالمشاريع الرقمية التي تقدم مجموعة واسعة من الخدمات ضمن منصة واحدة.

ويعكس هذا الحضور قدرة بعض الشركات المغربية على تطوير نماذج أعمال تستهدف أسواقاً تتجاوز الحدود المحلية، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا المالية والخدمات الرقمية والتجارة الإلكترونية والمنصات الإلكترونية.

كما يأتي ذلك في سياق توسع الاقتصاد الرقمي المغربي وارتفاع عدد المشاريع الناشئة التي تسعى إلى الاستفادة من التحول الرقمي داخل المملكة، إلى جانب التوجه نحو الأسواق الأفريقية التي توفر فرصاً للنمو والتوسع.

وتسلط أرقام يوليوز الضوء على تحدٍ أساسي أمام منظومة الشركات الناشئة في المغرب، يتمثل في الانتقال من مجرد إطلاق المشاريع إلى بناء شركات قادرة على جذب جولات استثمارية كبيرة وتمويل مراحل النمو والتوسع.

فالفارق مع السعودية والإمارات ومراكز إقليمية أخرى لا يظهر فقط في حجم الأموال المستثمرة، بل أيضاً في عدد الصفقات الكبرى وقدرة الشركات على الوصول إلى مراحل متقدمة من التمويل.

ومن شأن تعزيز صناديق رأس المال الجريء، وتوسيع قاعدة المستثمرين المحليين والدوليين، وتشجيع الشراكات بين القطاعين العام والخاص، أن يساهم في تحسين قدرة الشركات المغربية على الوصول إلى التمويل اللازم للنمو.

كما يمثل استقطاب صناديق استثمار دولية وتطوير أدوات تمويل مخصصة للشركات الناشئة في مراحل النمو عاملاً مهماً لتقليص الفجوة القائمة مع الأسواق الإقليمية الأكثر تقدماً.

ورغم محدودية النتائج المسجلة خلال يوليوز، فإن وجود المغرب ضمن أكبر خمسة أسواق إقليمية من حيث التمويلات الشهرية يؤكد استمرار حضوره في خريطة الشركات الناشئة بالمنطقة.

غير أن التحدي خلال المرحلة المقبلة يتمثل في تحويل هذا الحضور إلى نتائج أكثر قوة، من خلال رفع عدد الصفقات الاستثمارية وزيادة قيمتها، ومساعدة الشركات الناشئة على الانتقال من مرحلة التأسيس إلى مراحل النمو والتوسع الدولي.

ومع تسارع الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المالية والتجارة الإلكترونية والخدمات الرقمية، تبدو أمام المغرب فرص جديدة لتعزيز موقعه كمركز إقليمي للشركات الناشئة، خصوصاً في ظل تنامي الاهتمام بالأسواق الأفريقية.

وبالتالي، فإن أرقام يوليوز لا تعني بالضرورة تراجع جاذبية المغرب بالنسبة إلى المستثمرين، لكنها تكشف بوضوح عن الفجوة التمويلية التي لا تزال تفصل منظومة الشركات الناشئة المغربية عن أكبر المراكز الاستثمارية في المنطقة.

ومع اشتداد المنافسة الإقليمية على رؤوس الأموال، سيكون نجاح المغرب مرتبطاً بقدرته على توفير بيئة أكثر ملاءمة للتمويل والاستثمار، وتحويل الابتكار المحلي إلى شركات قادرة على النمو والمنافسة في الأسواق الإقليمية والدولية.

 

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى