الاقتصادية

جيل زد يكتشف أن المهارة قد تتفوق على الشهادة في سوق العمل

بينما كان الحصول على شهادة جامعية يُنظر إليه لسنوات باعتباره البوابة الأساسية نحو وظيفة جيدة ومستقبل مهني مستقر، بدأت هذه القناعة تتغير لدى شريحة متزايدة من الشباب. فمع ارتفاع تكاليف الدراسة وتبدل احتياجات سوق العمل، أصبحت المهارات العملية والمهن التقنية خياراً أكثر جاذبية لجيل «زد»، خاصة عندما توفر هذه المسارات دخلاً جيداً وفرصة أسرع للبدء في العمل.

وتشير معطيات حديثة أوردتها مجلة نيوزويك إلى أن اهتمام أبناء هذا الجيل بالمهن الحرفية والتقنية يتزايد، في وقت تبحث فيه قطاعات اقتصادية عديدة عن عمال يمتلكون مهارات متخصصة يصعب توفيرها بالسرعة المطلوبة.

وتكشف بيانات الأجور التي استند إليها التقرير أن بعض الوظائف التقنية والحرفية لم تعد مجرد بديل عن الوظائف المكتبية، بل أصبحت في بعض الحالات توفر مداخيل قادرة على منافسة رواتب عدد من الوظائف التي تتطلب شهادة جامعية، خصوصاً في بداية المسار المهني.

تتصدر وظائف الإشراف على مشاريع البناء والتشييد قائمة المهن التي توفر مستويات دخل مرتفعة، فيما تحظى بعض الوظائف المرتبطة بالرعاية والمساعدة الصحية أيضاً بمكانة مهمة ضمن المسارات التي توفر فرصاً مهنية مستقرة.

وتبرز في المقابل مهن مثل الكهرباء والسباكة والتدفئة والتبريد والنجارة باعتبارها تخصصات تحافظ على الطلب عليها، في ظل الحاجة المستمرة إلى أعمال البناء والصيانة والتجهيز.

كما يشكل قطاع النقل والخدمات اللوجستية مجالاً مهماً للشباب الباحثين عن وظائف عملية، مع استمرار الحاجة إلى سائقي الشاحنات الثقيلة، ومشرفي عمليات النقل، وفنيي صيانة المركبات.

وتكتسب هذه الوظائف جاذبيتها من كونها مرتبطة بحاجات أساسية في الاقتصاد، ما يجعل الطلب عليها مستمراً حتى مع تغير طبيعة الوظائف الأخرى.

أحد أبرز العوامل التي تدفع جيل «زد» إلى التفكير في هذه المسارات هو الوقت الذي يتطلبه الوصول إلى سوق العمل.

فالتكوين المهني وبرامج التدريب التطبيقي يمكن أن تمنح الشاب مهارة متخصصة خلال فترة أقصر بكثير من المسار الجامعي التقليدي، ما يسمح له بالبدء في تحقيق دخل في وقت مبكر.

ويكتسب هذا الخيار أهمية خاصة في ظل ارتفاع تكلفة التعليم الجامعي، إلى جانب التساؤلات التي يطرحها بعض الشباب حول مدى قدرة الشهادة وحدها على ضمان وظيفة جيدة بعد سنوات من الدراسة.

في المقابل، تواجه قطاعات البناء والصناعة والنقل والصيانة والرعاية الصحية حاجة متزايدة إلى عمال قادرين على تنفيذ مهام تقنية محددة، الأمر الذي يجعل المهارة العملية سلعة مطلوبة في سوق العمل.

ولا يمكن تفسير التحول في اختيارات الشباب بمعزل عن التغيرات التي يعرفها سوق العمل نفسه.

فالنقص في العمالة الماهرة داخل العديد من المهن التقنية يدفع الشركات إلى تحسين شروط الاستقطاب، سواء من خلال الأجور أو الحوافز أو فرص التطور الوظيفي.

وبالنسبة إلى الشاب، يعني ذلك أن امتلاك مهارة مطلوبة يمكن أن يكون مدخلاً مباشراً إلى وظيفة مستقرة، حتى من دون المرور بالمسار الأكاديمي التقليدي.

كما تمنح بعض المهن التقنية إمكانية بناء مسار مهني طويل الأمد، من خلال اكتساب تخصصات إضافية أو الانتقال إلى مناصب إشرافية، فضلاً عن إمكانية العمل لحساب الشخص نفسه وتأسيس مشروع خاص بعد اكتساب الخبرة اللازمة.

ويعكس انتشار هذا التوجه تغيراً في أولويات جيل «زد» عند اختيار المستقبل المهني.

فبدلاً من التركيز حصراً على الحصول على شهادة جامعية، أصبح عدد متزايد من الشباب ينظر إلى عوامل أخرى، مثل سرعة الولوج إلى سوق العمل، والاستقرار المالي، وحجم الطلب على المهارة، وإمكانية تحقيق دخل جيد خلال فترة قصيرة.

ولا يعني ذلك أن التعليم الجامعي فقد أهميته بالنسبة إلى هذا الجيل، وإنما يشير إلى أن الشهادة أصبحت واحدة من عدة مسارات ممكنة، وليست بالضرورة الطريق الوحيد نحو النجاح المهني.

ومع استمرار ارتفاع الطلب على المهارات التقنية والحرفية، وتزايد صعوبة العثور على عمال متخصصين في بعض القطاعات، يبدو أن جيل «زد» يعيد اكتشاف قيمة المهن العملية، في تحول قد يعيد رسم العلاقة بين التعليم والعمل والدخل خلال السنوات المقبلة.

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى