مشاريع مونديال 2030 تضع الميزان التجاري المغربي أمام تحدي ارتفاع الواردات

مع اقتراب المغرب من مرحلة تنفيذ عدد كبير من الأوراش الاستراتيجية المرتبطة برؤية 2030، تتجه الأنظار إلى قدرة الاقتصاد الوطني على تحويل هذه الاستثمارات الضخمة إلى فرص حقيقية للنمو الداخلي، في ظل تحذيرات من أن الاعتماد الكبير على الواردات قد يقلص من العائد الاقتصادي لهذه المشاريع ويزيد الضغط على الميزان التجاري.
ويأتي هذا النقاش في وقت تقدر فيه الاستثمارات المبرمجة المرتبطة بمشاريع 2030، بما فيها الأوراش المواكبة لتنظيم كأس العالم، بحوالي 190 مليار درهم خلال الفترة الممتدة بين 2024 و2030، وهي استثمارات تشمل مجالات حيوية مثل البنيات التحتية والنقل واللوجستيك والسياحة والمنشآت الرياضية والخدمات الحضرية.
وحذر المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، في تقريره السنوي، من أن تنفيذ هذه المشاريع قد يرفع الطلب على المعدات والتجهيزات والسلع الوسيطة المستوردة، خاصة في القطاعات التي لا يزال الإنتاج المحلي فيها غير قادر على تلبية حاجيات السوق، مما قد ينعكس على حجم المبادلات التجارية الخارجية.
ويرى المجلس أن هذه المرحلة الاستثمارية تشكل فرصة استثنائية لتسريع التحول الاقتصادي للمغرب وتعزيز جاذبيته الاستثمارية، غير أن تحقيق أكبر استفادة منها يظل مرتبطاً بمدى قدرة المقاولات الوطنية على المشاركة في هذه الأوراش وتوفير نسبة أكبر من احتياجاتها داخل الاقتصاد المحلي.
وتشمل الاستثمارات المرتبطة بأجندة 2030 مجموعة واسعة من المشاريع التي تستهدف تحديث البنية التحتية وتعزيز الربط بين المدن والمناطق، إلى جانب تطوير قطاعات البناء والأشغال العمومية والنقل والسياحة والخدمات.
وأكد المجلس أن هذه الأوراش يمكن أن تشكل محركاً للنمو الاقتصادي ورافعة لتحسين التنافسية الوطنية، خصوصاً من خلال خلق فرص الشغل وتحفيز النشاط الصناعي والخدماتي، غير أن أثرها الحقيقي سيظل رهيناً بقدرة الاقتصاد على الاحتفاظ بجزء أكبر من القيمة المضافة داخل المملكة.
وفي هذا السياق، أشار التقرير إلى أن استيراد جزء مهم من الآليات والمعدات والمواد الضرورية لإنجاز المشاريع الكبرى قد يؤدي إلى تقليص التأثير المضاعف لهذه الاستثمارات على الاقتصاد الوطني، إذا لم تتم مواكبتها بسياسات تهدف إلى تعزيز الإنتاج المحلي.
ويأتي هذا التحذير في ظل استمرار اعتماد عدد من القطاعات الإنتاجية بالمغرب على الأسواق الخارجية للحصول على مكونات الإنتاج والسلع الوسيطة ومعدات التجهيز، وهو ما يساهم في استمرار الضغوط على الميزان التجاري.
وسجل المجلس أن هذه الوضعية تعكس وجود تحديات مرتبطة بمستوى الاندماج الصناعي المحلي، حيث ما تزال بعض حلقات الإنتاج تعتمد بشكل كبير على الاستيراد، الأمر الذي يقلل من قدرة الاستثمارات الكبرى على خلق قيمة مضافة واسعة داخل الاقتصاد الوطني.
وأوضح التقرير أن التحدي الأساسي لا يكمن في حجم الإنفاق الاستثماري، وإنما في طبيعة توجيهه، إذ إن ارتفاع حصة المنتجات المستوردة ضمن المشاريع الكبرى يعني خروج جزء مهم من الموارد المالية إلى الخارج، بينما يسمح تعزيز الاعتماد على الشركات والموردين المحليين بتحقيق آثار اقتصادية أكبر.
ودعا المجلس إلى جعل مشاريع 2030 فرصة لتعزيز حضور المقاولات المغربية داخل سلاسل القيمة المرتبطة بالأوراش الكبرى، خصوصاً المقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة التي تحتاج إلى دعم أكبر للاستفادة من الطلب الناتج عن هذه المشاريع.
وأكد أن إشراك النسيج المقاولاتي الوطني لا ينبغي أن يقتصر على تنفيذ الأشغال، بل يجب أن يمتد إلى تطوير القدرات الإنتاجية والصناعية، وتحفيز الابتكار ونقل التكنولوجيا وخلق وظائف جديدة مرتبطة بهذه الدينامية الاستثمارية.
كما شدد على أهمية تحسين شروط ولوج المقاولات المحلية إلى الصفقات العمومية وسلاسل التوريد، بما يضمن توزيعاً أوسع للمكاسب الاقتصادية الناتجة عن هذه المرحلة.




