اقتصاد المغربالأخبار

استثمارات المونديال تتجاوز 190 مليار درهم وسط تحذيرات متزايدة من المجلس الاقتصادي

تستعد المملكة المغربية لمرحلة استثمارية واسعة استعداداً لاحتضان نهائيات كأس العالم 2030، غير أن حجم الإنفاق المرتبط بهذه الاستعدادات يطرح، في المقابل، تساؤلات حول كلفة التمويل ومدى قدرة الاقتصاد الوطني على ضمان مردودية مستدامة لهذه المشاريع.

وكشف المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، في تقريره السنوي برسم سنة 2025، أن حجم النفقات المنجزة والمبرمجة في إطار التحضيرات المرتبطة بالمونديال يقدر بنحو 190 مليار درهم خلال الفترة الممتدة بين 2024 و2030، أي ما يعادل حوالي 11.9 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي المسجل سنة 2024.

وتشمل هذه الاستثمارات حزمة واسعة من الأوراش، تمتد من تحديث البنية التحتية السككية والمطارات والمنشآت الرياضية، إلى تطوير الطرق والشبكات الحضرية، فضلاً عن تعزيز البنيات السياحية والاستشفائية وشبكات الاتصالات، في إطار استعدادات يفترض أن تتجاوز البعد الرياضي لتشمل تحسين البنية الاقتصادية والخدماتية للمملكة.

وبحسب معطيات المجلس، فإن الجزء الأكبر من البرنامج الاستثماري سيقع على عاتق المؤسسات والمقاولات العمومية، باستثمارات تعادل نحو 7.4 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي، بينما تمثل مساهمة الجماعات الترابية حوالي 3.2 في المائة، مقابل 1.4 في المائة للميزانية العامة للدولة.

ويرى المجلس أن هذه الأوراش يمكن أن تتحول إلى محرك للنشاط الاقتصادي خلال السنوات المقبلة، بالنظر إلى تأثيرها المحتمل على قطاعات البناء والنقل واللوجستيك والسياحة والخدمات الحضرية، فضلاً عن قدرتها على خلق فرص شغل وتحسين جاذبية المدن والمناطق المستفيدة من المشاريع.

كما يمكن للاستثمارات المرتبطة بالحدث الرياضي العالمي أن تساهم في تعزيز صورة المغرب كوجهة استثمارية وسياحية، خاصة إذا تم استغلال المنشآت الجديدة والبنيات التحتية بعد انتهاء البطولة ضمن رؤية طويلة الأمد.

لكن الوجه الآخر لهذه الدينامية الاستثمارية يرتبط بطريقة تمويلها. فقد سجل المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن نسبة مهمة من الاستثمارات المرتبطة بهذه المشاريع قد تعتمد على الاقتراض، حيث تشير التقديرات المتاحة إلى إمكانية وصول حصة التمويل بالدين إلى حوالي 89 في المائة.

ويرى المجلس أن هذه الوضعية تستدعي التعامل بحذر مع الالتزامات المالية المرتبطة بالمشاريع الكبرى، خصوصاً أن الاستثمارات الضخمة لا تضمن بالضرورة تحقيق العائد الاقتصادي المتوقع، وقد تواجه بعض المشاريع ارتفاعاً في تكاليف الإنجاز أو تأخراً في التنفيذ أو مردودية أقل من التقديرات الأولية.

وفي هذه الحالة، قد تجد المالية العمومية نفسها أمام أعباء إضافية، سواء بشكل مباشر أو من خلال ارتفاع مديونية المؤسسات والمقاولات العمومية أو الالتزامات الناتجة عن صيغ التمويل المهيكل والشراكات بين القطاعين العام والخاص.

وتتجاوز ملاحظات المجلس مسألة تمويل مشاريع المونديال، لتلامس إشكالية أوسع تتعلق بمردودية الاستثمار في الاقتصاد المغربي.

وأشار التقرير إلى أن تحقيق معدلات النمو نفسها أصبح يتطلب ضخ مستويات أكبر من الاستثمارات، وهو ما يعكس، وفق المجلس، محدودية نسبية في المردودية الاقتصادية للاستثمار، خاصة مع الوزن الكبير الذي يحتله الاستثمار العمومي في منظومة الاستثمار الوطنية.

ويحذر المجلس من أن بعض المشاريع الكبرى قد لا تظهر آثارها الاقتصادية بشكل سريع، كما أن مردوديتها ليست مضمونة بالضرورة، ما يجعل تقييم الجدوى الاقتصادية والاجتماعية لكل مشروع أمراً أساسياً قبل الاستمرار في تمويله.

ومن بين التحديات التي أثارها التقرير أيضاً طبيعة سلاسل التوريد المرتبطة بهذه الأوراش. فاعتماد بعض المشاريع على استيراد المعدات ومواد التجهيز والمدخلات الوسيطة يمكن أن يحد من القيمة المضافة التي تبقى داخل الاقتصاد الوطني.

ويرى المجلس أن تعظيم المكاسب الاقتصادية من هذه الاستثمارات يتطلب تعزيز الاندماج المحلي، وتمكين المقاولات المغربية، ولا سيما المقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة، من الوصول إلى الطلبيات العمومية وسلاسل القيمة المرتبطة بالمشاريع الكبرى.

وبذلك، لا يتعلق الرهان فقط بإنجاز الملاعب والطرق والمطارات والمنشآت، وإنما أيضاً بمدى قدرة هذه الأوراش على خلق منظومة إنتاجية محلية تستفيد منها الشركات المغربية وتتحول معها الاستثمارات المرتبطة بالمونديال إلى قيمة اقتصادية مستدامة.

وحذر المجلس كذلك من تأثير الاحتياجات التمويلية المرتفعة للمؤسسات والمقاولات العمومية على السوق البنكية، إذ إن توسع هذه الجهات في الاقتراض قد يؤدي إلى مزاحمة القطاع الخاص على الموارد المالية المتاحة.

وقد ينعكس ذلك بشكل خاص على المقاولات الصغيرة والمتوسطة، التي تواجه أصلاً تحديات في الولوج إلى التمويل، ما يجعل الحفاظ على توازن سوق الائتمان أحد الشروط الأساسية لضمان استفادة القطاع الخاص من الدينامية الاستثمارية التي ترافق التحضير لكأس العالم.

وفي ضوء هذه التحديات، دعا المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي إلى اعتماد مقاربة أكثر انتقائية في تدبير المشاريع المرتبطة بمونديال 2030، تقوم على ترتيبها وفق الأولوية والمردودية الاقتصادية والاجتماعية، بدلاً من الاقتصار على منطق الإسراع في الإنجاز.

كما شدد على ضرورة تقوية آليات مراقبة التكاليف والآجال والنتائج، وضمان شفافية أكبر في تتبع المشاريع، إلى جانب الحفاظ على قدرة القطاع الخاص على الوصول إلى التمويل.

ويضع التقرير بذلك المغرب أمام معادلة دقيقة: الاستفادة من الزخم الاستثماري الذي يرافق تنظيم كأس العالم، من دون تحويل هذه الفرصة إلى عبء مالي طويل الأمد.

فالرهان الحقيقي، وفق هذه المقاربة، لا يكمن فقط في إنجاز مشاريع ضخمة قبل 2030، وإنما في ضمان استمرار مردوديتها الاقتصادية والاجتماعية بعد انتهاء الحدث العالمي.

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى