واردات الكبريت بالمغرب تقفز 190% وتزيد أعباء صناعة الأسمدة

سجلت فاتورة المغرب لاستيراد الكبريت ارتفاعاً حاداً خلال الأشهر الثمانية الأولى من السنة، في ظل اضطرابات متزايدة في الأسواق العالمية وتكاليف النقل والإمدادات، ما يضع صناعة الفوسفات والأسمدة أمام ضغوط إضافية، خصوصاً مع اعتماد الإنتاج المحلي بشكل كبير على هذه المادة الأساسية.
وأظهرت أحدث بيانات التجارة الخارجية أن قيمة واردات المغرب من الكبريت بلغت نحو 27.2 مليار درهم، أي ما يعادل حوالي 2.8 مليار دولار، خلال الفترة الممتدة من يناير إلى نهاية أغسطس، مسجلة زيادة سنوية تقارب 190 في المائة.
ولم يتوقف تصاعد الفاتورة عند هذا المستوى، إذ شهد شهر أغسطس وحده ارتفاعاً في قيمة الواردات بنحو 7 مليارات درهم، أي ما يعادل زيادة شهرية تقدر بحوالي 35 في المائة، وفق معطيات مكتب الصرف.
ويأتي هذا التطور في سياق دولي اتسم باضطراب إمدادات الكبريت، بالتزامن مع تداعيات الحرب في إيران وما رافقها من اضطرابات في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، أحد الممرات الرئيسية التي تمر عبرها شحنات المواد الأولية القادمة من منطقة الخليج.
ويعتمد المغرب على مجموعة من الموردين لتأمين احتياجاته من الكبريت، في مقدمتهم كازاخستان والسعودية والإمارات، بينما دخلت الرباط في مباحثات مع العراق بشأن إمكانية الحصول على شحنات إضافية من هذه المادة.
ولم تقتصر تداعيات الأزمة على صعوبة تأمين الإمدادات، بل امتدت إلى الأسعار نفسها. فقد بلغ متوسط سعر طن الكبريت المستورد من طرف المغرب نحو 5490 درهماً خلال الفترة الممتدة من يناير إلى يوليو، بزيادة سنوية بلغت حوالي 182 في المائة، وفق معطيات أوردها تقرير لوزارة الاقتصاد والمالية حول الظرفية الاقتصادية خلال شهر شتنبر.
وتبرز أهمية هذه التطورات بالنظر إلى الدور الذي يلعبه الكبريت في سلسلة إنتاج الأسمدة الفوسفاتية، إذ يدخل في تصنيع حمض الكبريتيك، الذي يعد مكوناً أساسياً في معالجة الفوسفات وتحويله إلى منتجات وأسمدة ذات قيمة مضافة أعلى.
وتكتسب اضطرابات الملاحة في مضيق هرمز أهمية خاصة بالنسبة لصناعة الأسمدة العالمية، بالنظر إلى الوزن الذي يمثله هذا الممر في حركة التجارة الدولية للمواد الأولية المرتبطة بالقطاع.
وفي الظروف العادية، تمر عبر المضيق نسبة مهمة من التجارة العالمية لليوريا والأمونيا والفوسفات، فضلاً عن جزء كبير من صادرات الكبريت المنقولة بحراً، وهو ما يجعل أي اضطراب طويل في حركة الملاحة عاملاً مؤثراً في تكاليف الإنتاج وسلاسل الإمداد العالمية.
وتزداد حساسية المغرب لهذه التطورات بسبب المكانة التي تحتلها صناعة الفوسفات ومشتقاته ضمن الصادرات الوطنية، إذ تأتي هذه المنتجات ضمن أبرز مصادر العائدات التصديرية للمملكة إلى جانب قطاعات السيارات والصناعات الغذائية.
وتزامن ارتفاع تكلفة الكبريت مع تراجع أداء مجموعة «OCP»، إحدى أكبر الشركات العالمية المنتجة للأسمدة الفوسفاتية، والتي سجلت خلال النصف الأول من السنة خسارة بلغت نحو 2.8 مليار درهم، مقابل أرباح بقيمة 8.6 مليارات درهم خلال الفترة نفسها من العام السابق.
كما أظهرت بيانات التجارة الخارجية أن صادرات المغرب من الفوسفات ومشتقاته بلغت حوالي 61 مليار درهم خلال الأشهر الثمانية الأولى من السنة، بانخفاض قدره 6 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
وأرجعت «OCP» جانباً من الضغوط التي واجهتها إلى ارتفاع أسعار عدد من المدخلات واضطرابات سلاسل الإمداد، مع تركيز خاص على الكبريت باعتباره عنصراً أساسياً في إنتاج حمض الكبريتيك المستخدم في تصنيع الأسمدة الفوسفاتية.
كما أشارت المجموعة إلى أن أعمال الصيانة التي جرى تنفيذها أثرت في نحو 30 في المائة من الطاقة الإنتاجية، في وقت تواجه فيه الصناعة ضغوطاً إضافية مرتبطة بتكاليف المواد الأولية واستقرار الإمدادات.
وفي مواجهة هذه الظروف، تعمل «OCP» على إعادة توجيه جزء من إنتاجها نحو أنواع من الأسمدة تتطلب كميات أقل من الكبريت، في محاولة لتقليل حساسية عملياتها لتقلبات أسعار المواد الأولية.
ومن بين الخيارات التي تتجه المجموعة إلى تعزيزها سماد «TSP»، وهو منتج فوسفاتي غني بالمغذيات ويحتاج إلى كمية أقل بكثير من الكبريت مقارنة ببعض المنتجات الأخرى، كما لا يتطلب استخدام الأمونيا في عملية إنتاجه.
وتعكس هذه الخطوة محاولة لتكييف منظومة الإنتاج مع التحولات التي تشهدها أسواق المواد الأولية، وتقليل أثر ارتفاع تكلفة الكبريت على هوامش قطاع الأسمدة.
وبينما تواصل المملكة البحث عن مصادر متنوعة لتأمين احتياجاتها من الكبريت، يبقى تطور الأسعار العالمية وحركة الملاحة في الممرات التجارية الرئيسية من أبرز العوامل التي ستحدد خلال الفترة المقبلة مستوى الضغط على صناعة الفوسفات المغربية وتكلفة إنتاج الأسمدة.




