الاقتصادية

365 تريليون دولار من الديون العالمية يطرح السؤال.. الأكبر لمن يدين العالم؟

أصبح الدين العالمي واحداً من أكبر الأرقام التي يصعب استيعابها بمجرد النظر إليه، بعدما بلغ نحو 365.5 تريليون دولار خلال النصف الأول من العام. لكن وراء هذا الرقم سؤال يبدو بسيطاً للوهلة الأولى: إذا كان العالم كله مديناً، فمن يملك كل هذه الديون؟

الإجابة تكشف طبيعة النظام المالي العالمي؛ فالأموال المقترضة لا تأتي من جهة تقع خارج الاقتصاد العالمي، وإنما تنتقل بين الحكومات والشركات والبنوك والأسر، بحيث يمثل كل التزام على طرف أصلاً مالياً لطرف آخر.

ولتوضيح الصورة، يمكن تخيل عائلة كبيرة يعيش أفرادها تحت سقف واحد. يزرع الأب الخضراوات، ويخبز الابن الخبز، وتدير الأم متجراً صغيراً، بينما تحتفظ الجدة بمدخراتها. عندما يشتري الأب الخبز من ابنه، ينشأ دين على الأب وحق مالي للابن. وإذا احتاجت الأم إلى تمويل لتوسيع متجرها، فقد تلجأ إلى مدخرات الجدة.

وبالتالي، فإن جمع جميع الالتزامات داخل هذا المنزل قد ينتج رقماً كبيراً، لكنه لا يعني أن العائلة مدينة لطرف خارجي؛ فالجزء الأكبر من هذه الديون يمثل مطالبات مالية متبادلة بين أفرادها.

وهذه الصورة المصغرة تشرح، إلى حد كبير، كيف يعمل الدين على مستوى الاقتصاد العالمي.

بلغ إجمالي الدين العالمي نحو 365.5 تريليون دولار خلال النصف الأول من العام، وفق بيانات معهد التمويل الدولي، بينما استقرت نسبة الدين الإجمالي عند قرابة 310% من الناتج العالمي.

ولا يقتصر هذا الرقم على ديون الحكومات، بل يشمل أربعة قطاعات رئيسية هي الحكومات والشركات غير المالية والمؤسسات المالية والأسر.

القطاعحجم الدين
الحكومات110.5 تريليون دولار
الشركات غير المالية105.1 تريليون دولار
المؤسسات المالية84.3 تريليون دولار
الأسر65.7 تريليون دولار
الإجمالي365.5 تريليون دولار

لكن قراءة الرقم الإجمالي وحدها لا تكشف الصورة كاملة، لأن كل دين يقابله أصل لدى جهة أخرى.

فالرهن العقاري، على سبيل المثال، يمثل التزاماً على الأسرة، لكنه في المقابل أصل مالي للبنك. أما السند الحكومي فهو التزام على وزارة المالية، لكنه قد يكون استثماراً لصندوق معاشات أو شركة تأمين أو مستثمراً فردياً.

والأمر نفسه ينطبق على الشركات؛ فالمليار دولار الذي تقترضه شركة يمثل ديناً عليها، لكنه في المقابل أصل يملكه حملة السندات، سواء كانوا بنوكاً أو صناديق استثمار أو شركات تأمين أو أفراداً.

لذلك لا يكمن السؤال الأساسي في معرفة من أقرض العالم؟، وإنما في تحديد من يدين لمن، وبأي عملة، وبأي تكلفة، ومتى يحين موعد السداد، وهل يملك المقترض القدرة على إعادة التمويل؟

رغم ضخامة الأرقام الحالية، فإن فكرة الاقتراض تعود إلى آلاف السنين. فقد كشفت ألواح قديمة تعود إلى القرنين العشرين والتاسع عشر قبل الميلاد عن معاملات تضمنت قروضاً بالفضة ومواعيد للسداد وشروطاً مرتبطة بالفائدة والتأخير.

أما الاقتراض الحكومي المنتظم، فتطور بصورة أكبر في أوروبا بين القرنين الحادي عشر والرابع عشر، مع ظهور مؤسسات مالية أتاحت للمدن والدول الحصول على موارد تتجاوز الإيرادات المتاحة لديها في ذلك الوقت.

وكانت الحروب من أبرز المحركات الأولى لهذا التطور، إذ احتاجت الحكومات إلى الإنفاق سريعاً، بينما كانت عملية تحصيل الضرائب تستغرق وقتاً. وأصبح الاقتراض وسيلة لتمويل الإنفاق الحالي بالاعتماد على إيرادات مستقبلية.

ومع مرور الوقت، امتد استخدام الدين إلى تمويل الطرق والسكك الحديدية والمدارس وشبكات المياه، ثم الرعاية الصحية ومعاشات التقاعد والاستثمارات العامة، وصولاً إلى مواجهة الأزمات الاقتصادية.

يصعب تخيل الاقتصاد الحديث من دون الائتمان. فالشركات تعتمد على القروض لبناء المصانع وتوسيع الإنتاج، والأسر تستخدم التمويل لشراء المنازل، والبنوك توظف الأموال في تقديم الائتمان، بينما تلجأ الحكومات إلى الاقتراض لتمويل المشاريع والاستثمارات أو مواجهة فترات الركود والأزمات.

كما أن الدين يتمتع بميزة أساسية تتمثل في إمكانية إعادة تمويله.

فعندما يحين موعد سداد سند حكومي بقيمة مليار دولار، لا تضطر الدولة بالضرورة إلى جمع مليار دولار إضافية من الضرائب وسداد الدين نهائياً. ففي كثير من الحالات، يمكنها إصدار سندات جديدة واستخدام حصيلتها لسداد السندات القديمة.

وطالما ظل المستثمرون مستعدين لتمويل المقترض، وظل الاقتصاد قادراً على تحقيق نمو يتناسب مع تكلفة الاقتراض، يمكن أن تستمر هذه العملية لسنوات طويلة.

لكن المعادلة تتغير عندما ترتفع أسعار الفائدة أو يتباطأ النمو الاقتصادي أو تتراجع ثقة المستثمرين.

لا يكفي النظر إلى حجم الدين لتحديد مدى خطورته. فمقترض يحصل على دخل مرتفع ويمكنه تحمل مدفوعات الفائدة قد يكون في وضع أفضل من مقترض لديه دين أصغر لكنه لا يملك دخلاً كافياً لخدمته.

ولهذا يراقب الاقتصاديون مجموعة من المؤشرات، من بينها حجم الدين مقارنة بالدخل، وتكلفة الفائدة، وآجال الاستحقاق، والعملة التي صدر بها الدين، وقدرة المقترض على تحقيق إيرادات مستقبلية.

وتصبح هذه العوامل أكثر أهمية عندما ترتفع أسعار الفائدة، إذ تضطر الحكومات والشركات إلى إعادة تمويل أجزاء من ديونها بتكاليف أعلى، ما يؤدي إلى زيادة مدفوعات الفائدة.

كما يؤدي التضخم دوراً مزدوجاً. فمن جهة، يؤدي ارتفاع الأسعار والأجور والناتج الاسمي إلى تقليص وزن الديون القديمة مقارنة بحجم الاقتصاد. ومن جهة أخرى، قد يدفع التضخم المرتفع المستثمرين إلى المطالبة بعوائد أكبر، ما يزيد تكلفة الاقتراض الجديد.

وبذلك يمكن للتضخم أن يجعل الدين القديم أخف نسبياً، لكنه يجعل الدين الجديد أكثر تكلفة.

تختلف قدرة المقترضين على تحمل الديون بشكل كبير من دولة إلى أخرى.

فالدولة التي تقترض بعملتها المحلية وتمتلك سوقاً مالية عميقة وقاعدة واسعة من المستثمرين تختلف عن دولة تعتمد بصورة كبيرة على الاقتراض بالعملات الأجنبية.

فعندما تنخفض عملة دولة ما بنسبة 30% أمام الدولار، قد ترتفع تكلفة خدمة الديون المقومة بالدولار بالنسبة إلى إيراداتها المحلية بنحو مماثل، حتى من دون إضافة ديون جديدة.

كما تتمتع الاقتصادات الكبرى عادة بإمكانية الوصول إلى التمويل بشروط أفضل، بينما تواجه الدول ذات الأسواق المالية الأقل تطوراً تكاليف اقتراض أعلى وآجالاً أقصر.

وفي عام 2024، دفعت الدول منخفضة ومتوسطة الدخل نحو 415.4 مليار دولار فوائد على ديونها الخارجية، وهو مستوى قياسي وفق البيانات الواردة في التقرير.

القول إن «العالم مدين لنفسه» لا يعني أن المخاطر غير موجودة.

فعندما يتعثر مقترض كبير، يتضرر الطرف الذي يحمل دينه. وإذا كان الدائن بنكاً، فقد تتراجع قدرته على توفير الائتمان. وإذا كان صندوق معاشات، فقد تتأثر أصول المدخرين. أما إذا كان المقترض أو الدائن حكومة، فقد تمتد التداعيات إلى المالية العامة والاقتصاد الأوسع.

وهكذا يمكن لمشكلة مالية لدى طرف واحد أن تنتقل إلى أطراف أخرى، مثلما يمكن لتعثر أحد أفراد العائلة أن يؤثر في بقية أفرادها رغم أنهم يعيشون في المنزل نفسه.

لذلك، فإن رقم 365.5 تريليون دولار لا يعني أن هناك جهة خارجية أقرضت الكوكب هذا المبلغ، لكنه في الوقت نفسه لا يجعل حجم الدين أمراً ثانوياً.

فهذا الرقم يعكس شبكة ضخمة من الالتزامات المتبادلة التي تربط الحكومات والشركات والمؤسسات المالية والأسر، وتنقل الموارد بين الحاضر والمستقبل.

وتبقى قدرة هذه المنظومة على الاستمرار مرتبطة بقدرة المقترضين على خدمة ديونهم، واستعداد الدائنين لمواصلة التمويل، وبقاء تكلفة الاقتراض متناسبة مع قدرة الاقتصاد على توليد الدخل.

وعندما يبدأ الدين في النمو بوتيرة تتجاوز قدرة المقترضين على خدمته، أو تصبح الفوائد مرتفعة إلى درجة تضغط على الموازنات، فإن السؤال لا يعود من أقرض العالم؟، بل يصبح: من يملك القدرة على السداد، ومن سيتحمل تكلفة إعادة التوازن؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى