دراسة علمية تحذر من استنزاف حاد للمياه الجوفية في زاكورة

تواجه منطقة فايجة بإقليم زاكورة تحدياً متزايداً في تدبير مواردها المائية، بعدما كشفت دراسة علمية حديثة عن مؤشرات قوية على استنزاف الفرشة الجوفية نتيجة تصاعد عمليات الضخ الموجهة للري، في منطقة تتسم بمناخ شديد الجفاف وتعتمد فيها الزراعة بدرجة كبيرة على المياه المستخرجة من باطن الأرض.
وأظهرت الدراسة، المنشورة في مجلة Frontiers in Earth Science يوم 11 شتنبر الجاري، أن كميات المياه الجوفية المسحوبة لأغراض الري قد تتجاوز حجم الموارد التي تتجدد طبيعياً كل سنة، مع تقدير احتمال حدوث هذا التجاوز بنحو 82 في المائة.
وأجرى البحث فريق من مختبر علوم الأرض والبيئة والجيوماتيك بكلية العلوم التابعة لجامعة ابن زهر بأكادير، حيث طور الباحثون منهجية تعتمد على بيانات الأقمار الاصطناعية لرصد ما وصفوه بـ”الضخ غير المرئي”، خصوصاً في المناطق التي لا تتوفر فيها بيانات دقيقة حول حجم المياه المستخرجة من الآبار.
واعتمدت الدراسة على بيانات القمر الاصطناعي Sentinel-2 لرصد مؤشرات الغطاء النباتي، إلى جانب معطيات درجات حرارة سطح الأرض التي توفرها أقمار Landsat 8 و9.
وشملت التحليلات الفترة الممتدة من 2020 إلى 2024، حيث استخدم الباحثون الفوارق في درجات الحرارة بين الأراضي الزراعية المسقية والمناطق الطبيعية المحيطة بها لتقدير عمليات التبخر والنتح، ومن ثم احتساب كميات المياه التي يتطلبها النشاط الزراعي.
وأظهرت المعطيات أن المناطق المسقية كانت خلال مراحل نمو المحاصيل أبرد بما يصل إلى 5 درجات مئوية مقارنة بالمناطق الطبيعية المجاورة، نتيجة تأثير المياه المستخدمة في الري على معدلات التبخر والنتح.
ومكنت هذه المؤشرات، إلى جانب بيانات الغطاء النباتي، من تقدير حجم المياه الجوفية المستخدمة في الزراعة دون الاقتصار على القياسات المباشرة لمعدلات الضخ من الآبار.
وتكشف النتائج عن فجوة مائية لافتة في المنطقة. فقد قدر الباحثون، بالنسبة إلى سنة 2022، حجم الضخ السنوي في السيناريو المحافظ بنحو 5.85 ملايين متر مكعب، فيما بلغ التقدير المركزي المعاير حوالي 6.79 ملايين متر مكعب.
في المقابل، لا تتجاوز الموارد الجوفية القابلة للتجدد، وفق تقديرات الدراسة، حوالي 4.70 ملايين متر مكعب سنوياً.
وتتكون هذه الكمية من نحو 2.72 مليون متر مكعب من التغذية الجوفية الجانبية، إضافة إلى حوالي 1.98 مليون متر مكعب ناتجة عن التسرب المباشر للمياه.
وتشير المقارنة بين الرقمين إلى أن حجم المياه المستخرجة للري يمكن أن يتجاوز بصورة واضحة قدرة الفرشة على استعادة مخزونها الطبيعي، وهو ما يرفع مخاطر تراكم العجز المائي واستمرار تراجع الموارد الجوفية.
ولقياس مدى صلابة النتائج أمام هامش عدم اليقين المرتبط بالتقديرات، أجرى الباحثون محاكاة إحصائية شملت 100 ألف تكرار.
وأظهرت النتائج أن احتمال تجاوز الضخ السنوي لحجم التغذية الطبيعية المتجددة يصل إلى 82 في المائة.
كما بينت الدراسة أنه حتى في الحد الأدنى من نطاق عدم اليقين، يمكن أن تستهلك عمليات الضخ ما يقارب 97 في المائة من إجمالي التغذية السنوية للفرشة، وهو ما اعتبره الباحثون مؤشراً إحصائياً قوياً على وجود ضغط حاد على المياه الجوفية.
وشملت الدراسة 16 منطقة زراعية مسقية، تمت مقارنتها بـ16 منطقة مرجعية طبيعية، بينما قدرت المساحة الزراعية النشطة في المجال المدروس بما بين 580 و1160 هكتاراً.
كما أظهرت صور الأقمار الاصطناعية عالية الدقة وجود نحو 580 بئراً نشطة مرتبطة بالنشاط الزراعي في المنطقة.
وتقع فايجة ضمن حوض درعة في الجنوب الشرقي للمغرب، وهي منطقة شديدة الجفاف لا يتجاوز فيها متوسط التساقطات السنوية 100 مليمتر، في حين يمكن أن تتجاوز معدلات التبخر والنتح المحتملة 2000 مليمتر سنوياً.
وتفرض هذه الظروف المناخية اعتماداً متزايداً على المياه الجوفية، خصوصاً في ظل محدودية الموارد السطحية وعدم ملاءمة الظروف المناخية للزراعة البورية على نطاق واسع.
وتشير الدراسة إلى أن جزءاً مهماً من النشاط الزراعي يعتمد على المياه المستخرجة من الآبار، خصوصاً لزراعة محاصيل ذات قيمة اقتصادية مرتفعة، لكنها في المقابل تحتاج إلى كميات مهمة من المياه، وفي مقدمتها البطيخ الأحمر.
ويعتمد عدد من صغار المزارعين على آبار خاصة لا تكون مجهزة في كثير من الحالات بعدادات تسمح بقياس كميات المياه المستخرجة بدقة، فيما يتم استخدام تقنيات الري بالتنقيط وخزانات لتجميع المياه التي يجري ضخها.
ويزيد غياب القياسات المنتظمة من صعوبة تحديد الحجم الفعلي للمياه المستهلكة، وهو ما جعل تقنيات الاستشعار عن بعد إحدى الأدوات التي يمكن استخدامها لسد جزء من هذا النقص في البيانات.
كما رصدت الدراسة تفاوتاً واضحاً في حجم استخراج المياه بين المواسم والأشهر.
وسجل شهر أبريل، الذي يتزامن عادة مع فترة مهمة من النشاط الزراعي، ضخاً يقدر بحوالي 1.27 مليون متر مكعب في 2023، قبل أن يتراجع إلى نحو 850 ألف متر مكعب في أبريل 2024.
لكن التطور الأكثر إثارة للاهتمام ظهر في أكتوبر 2024، عندما ارتفع حجم الضخ المقدر إلى حوالي 1.20 مليون متر مكعب، وهو مستوى يقترب من كميات الضخ المسجلة خلال ذروة الموسم الزراعي.
وبالمقارنة، لم يتجاوز الضخ في أكتوبر حوالي 430 ألف متر مكعب سنة 2020 و390 ألفاً سنة 2021 و420 ألفاً سنة 2022، قبل أن يصل إلى 820 ألف متر مكعب سنة 2023.
ويرى الباحثون أن الارتفاع المسجل في نهاية 2024 قد يكون مرتبطاً بدورة زراعية متأخرة وغير اعتيادية، ترافقت مع استهلاك مرتفع للمياه الجوفية.




