Ad
الاقتصادية

الصين والطاقة الشمسية.. من هيمنة الإنتاج إلى فخ الفائض المفرط

وسط عالم يعيش واحدة من أكثر فترات اضطراب أسواق الطاقة في العقود الأخيرة، تبرز الصين كلاعب استثنائي تمكن من تحويل الأزمات العالمية إلى فرصة لتعزيز نفوذه الطاقي والصناعي.

فقد اعتمدت بكين على رؤية طويلة الأمد جمعت بين تأمين المخزونات التقليدية من النفط والفحم، وبين توسع غير مسبوق في الطاقة المتجددة، خصوصًا الطاقة الشمسية. غير أن هذا النجاح الكبير بدأ يحمل في طياته اختلالًا متزايدًا، مع تحول الفائض الإنتاجي إلى عبء يضغط على القطاع بدل أن يعزز قوته.

هذا التحول لم يكن مفاجئًا، بل جاء نتيجة تراكم سنوات من السياسات الصناعية المكثفة التي دفعت الصين إلى قمة الإنتاج العالمي، قبل أن تتجاوز القدرة الإنتاجية حدود الطلب الدولي، لتدخل الصناعة مرحلة تنافس داخلي شرس يهدد توازنها.

 الصين تتربع على عرش الطاقة الشمسية عالمياً في 2025

الدولة

حجم الطاقة الشمسية
(تيراواط/ساعة)

النسبة من إجمالي الطاقة الشمسية العالمية المولدة

الصين

1175

%42

الولايات المتحدة

389

%14

الهند

196

%7

اليابان

101

%4

ألمانيا

90

%3

على مدى سنوات، اعتمدت الصين نهجًا يقوم على التحوط من أسوأ السيناريوهات، من خلال تعزيز احتياطاتها من مصادر الطاقة التقليدية بالتوازي مع استثمارات ضخمة في الطاقة النظيفة. هذا التوجه منحها قدرة عالية على امتصاص الصدمات في أسواق الطاقة العالمية، وقلّص من اعتمادها على الواردات، مستندًا إلى انتشار واسع لمزارع الطاقة الشمسية والرياح داخل أراضيها.

بحلول عام 2025، رسخت الصين موقعها كأكبر منتج للطاقة الشمسية في العالم بإنتاج بلغ 1175 تيراواط/ساعة، كما ساهمت وحدها بنحو نصف الزيادة العالمية في القدرات الجديدة، بإضافة تجاوزت 336 تيراواط/ساعة خلال عام واحد فقط.

هذا التفوق لم يكن وليد الصدفة، بل نتاج دعم حكومي واسع شمل حوافز ضريبية، وتسهيلات في تخصيص الأراضي، وتمويلات مباشرة للصناعة، ما أدى إلى تسريع غير مسبوق في وتيرة الإنتاج.

أدى هذا النمو السريع إلى تراجع حاد في أسعار الألواح الشمسية عالميًا تجاوز 80% خلال سنوات قليلة، بينما أصبحت تكاليف تركيب الطاقة الشمسية في الصين من بين الأدنى عالميًا، بعد الهند مباشرة، وبفارق كبير عن أسواق كروسيا واليابان.

الأهم من ذلك أن الصين باتت تسيطر على أكثر من 80% من سلسلة توريد مكونات الطاقة الشمسية عالميًا، ما منحها نفوذًا استراتيجيًا واسعًا على الأسواق الدولية، وجعل أي قرار إنتاجي داخلي قادرًا على التأثير في الأسعار والإمدادات حول العالم.

غير أن هذا التفوق الإنتاجي السريع أدى إلى اختلال واضح بين العرض والطلب، حيث دخل القطاع في ما يُعرف داخل الصين بـ”المنافسة المفرطة”، وهي حالة تتجاوز فيها الطاقة الإنتاجية حجم الطلب العالمي، ما يدفع الشركات إلى خفض الأسعار إلى مستويات قد لا تغطي تكاليف الإنتاج.

هذا الوضع خلق ضغطًا متزايدًا على الشركات، وأضعف هوامش الأرباح، ودفع القطاع نحو بيئة تنافسية شديدة القسوة.

منذ عام 2023، بدأت آثار هذا الفائض بالظهور بوضوح، إذ لجأت شركات كبرى في القطاع إلى تقليص قوتها العاملة بنحو الثلث. وفي عام 2025 وحده، تجاوزت الخسائر المجمعة للشركات المدرجة في هذا المجال 50 مليار يوان (حوالي 7.3 مليار دولار)، ما يعكس عمق الأزمة الهيكلية التي تواجهها الصناعة.

في موازاة ذلك، واجهت الصناعة الصينية ضغوطًا خارجية متصاعدة، أبرزها الرسوم الجمركية الأمريكية على منتجات الطاقة الشمسية، إلى جانب توجه الاتحاد الأوروبي نحو تنويع مصادره بعيدًا عن الصين.

ورغم هذه القيود، واصلت الشركات الصينية التوسع في الإنتاج، معتمدة على خفض الأسعار لتعويض فقدان بعض الأسواق والحفاظ على حصتها العالمية.

ورغم التحديات، سجلت صادرات الألواح الشمسية الصينية ارتفاعًا ملحوظًا، إذ قفزت في مارس بنسبة تتجاوز 42% لتصل إلى 1.75 مليون طن متري بقيمة 3.61 مليار دولار.

ويعود هذا النمو جزئيًا إلى ارتفاع الطلب من دول آسيا وأفريقيا، التي تسعى إلى تأمين احتياجاتها المستقبلية وسط توقعات بزيادة الأسعار، إضافة إلى تأثير التوترات الجيوسياسية على أسواق الطاقة.

في مواجهة هذا الوضع، بدأت السلطات الصينية خطوات لإعادة تنظيم القطاع، من خلال تشجيع عمليات الاندماج والاستحواذ، وفرض رقابة أكثر صرامة على الأسعار بهدف تقليل حدة المنافسة غير الصحية.

لكن العديد من الخبراء يرون أن الحل الحقيقي يتطلب خروج الشركات غير القادرة على المنافسة من السوق، وتقليص التدخل الحكومي، بما يسمح لقوى السوق بإعادة التوازن بين العرض والطلب بشكل طبيعي.

في النهاية، لا تعاني الصين في قطاع الطاقة الشمسية من نقص في القدرة الإنتاجية، بل من فائض ضخم تحول إلى تحدٍ هيكلي. وبينما يمنحها هذا الفائض نفوذًا عالميًا غير مسبوق، فإنه في الوقت نفسه يضع استدامة الصناعة تحت ضغط متزايد.

ويبقى التحدي الأكبر أمام بكين هو كيفية تحويل هذا “النجاح المفرط” إلى قوة اقتصادية مستقرة دون أن يتحول إلى أزمة طويلة الأمد داخل قطاعها الطاقي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى