أسواق المال بين هدنة الشرق الأوسط وغموض التسوية النووية

مع استمرار حالة عدم اليقين في المشهد الجيوسياسي، تظهر الأسواق المالية وكأنها تعيد رسم توازناتها من جديد بين المخاطر والتفاؤل، في ظل التطورات المتسارعة في التوتر الأمريكي–الإيراني. فبعد فترة طويلة من التقلبات الحادة، بدأت المؤشرات العالمية تعكس ميلًا واضحًا نحو تسعير سيناريو التهدئة، رغم بقاء الصورة النهائية غير مكتملة المعالم.
منذ انطلاق موجة التصعيد بين واشنطن وطهران وما رافقها من اضطرابات إقليمية، ظلّت الأسواق العالمية تتحرك داخل نطاق واسع من الترقب والحذر.
وعلى الرغم من أن أسواق النفط لم تكن دائمًا دقيقة في قياس حجم المخاطر السياسية، فإن العلاقة بين التوترات الجيوسياسية والأصول المالية بقيت واضحة: كل تصعيد كان يدفع الدولار وعوائد السندات الأمريكية للارتفاع نتيجة مخاوف اضطراب الإمدادات النفطية وعودة الضغوط التضخمية، ما كان يضغط بدوره على توقعات التيسير النقدي في الولايات المتحدة.
وفي الاتجاه المقابل، كانت فترات التراجع في أسعار النفط وتحسن الأسهم تُفسَّر على أنها إشارات مبكرة لاحتمالات التهدئة، حتى وإن كانت هشة، في ظل آمال بانخفاض المخاطر المرتبطة بالطاقة، خصوصًا في نقاط استراتيجية مثل مضيق هرمز.
اليوم، تبدو الأسواق في حالة من الارتياح الحذر تجاه التطورات السياسية الأخيرة، بعد تصريحات متبادلة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وإيران حول خفض التصعيد.
هذا التحول دفع المستثمرين إلى إعادة تسعير احتمال نهاية الصراع، الذي شكل عبئًا ثقيلًا على الأسواق العالمية خلال الأشهر الماضية. لكن يبقى السؤال مفتوحًا: هل نحن أمام نهاية حقيقية للأزمة أم مجرد هدنة مؤقتة؟
سجلت وول ستريت أداءً قويًا خلال جلسة الجمعة، حيث ارتفع مؤشر داو جونز بنحو 1100 نقطة في ذروة التداولات، فيما تجاوز مؤشر S&P 500 مستوى 7100 نقطة لأول مرة في تاريخه. كما واصل مؤشر ناسداك تسجيل سلسلة مكاسب هي الأطول منذ عام 1992، في إشارة إلى موجة تفاؤل قوية بين المستثمرين.
هذا الصعود جاء مدفوعًا بتراجع المخاوف الجيوسياسية، خصوصًا تلك المتعلقة بتأثير الحرب على التضخم والسياسة النقدية الأمريكية. ونتيجة لذلك، تراجعت عوائد السندات الأمريكية إلى أدنى مستوياتها في أكثر من شهر.
في سوق الذهب، بدأ المعدن النفيس يستعيد جزءًا من خسائره بعد فترة من الضغط، حيث ارتفع بأكثر من 1.5% ليغلق قرب 4900 دولار، بعدما كان قد هبط إلى حدود 4100 دولار خلال ذروة التوتر.
لكن التطور الأبرز كان في سوق النفط، حيث تراجعت العقود الآجلة بنحو 9% لتقترب من مستوى 90 دولارًا للبرميل، مقارنة بذروة بلغت حوالي 120 دولارًا أثناء التصعيد. كما سجلت خامات مثل بحر الشمال وخام “ميدلاند” الأمريكي انخفاضات إضافية بين 5 و7 دولارات للبرميل.
وتُظهر البيانات أن خام “ميدلاند” تم تداوله عند فارق يقارب 10.40 دولار فوق خام برنت، وهو أدنى مستوى خلال الشهر الجاري، وبنحو نصف مستواه القياسي في منتصف أبريل.
جاء هذا التحسن في شهية المخاطرة مدفوعًا بتطورات سياسية لافتة، أبرزها إعلان طهران فتح مضيق هرمز أمام الملاحة بشكل كامل، وهي خطوة لاقت ترحيبًا من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي اعتبر أن “أزمة المضيق انتهت”، مشيرًا إلى التزام إيراني بعدم العودة إلى إغلاقه.
وأضاف ترامب، عبر منصة “تروث سوشيال”، أن إيران بدأت بالفعل بإزالة الألغام البحرية، ضمن ترتيبات يُعتقد أنها تمت بتنسيق غير مباشر مع الولايات المتحدة.
وفي سياق موازٍ، أشار ترامب إلى وجود تقدم في الملف النووي، مع موافقة مبدئية من الجانب الإيراني على تعليق برنامجه النووي إلى أجل غير مسمى، معتبرًا أن الاتفاق “أصبح شبه مكتمل”.
لكن رغم هذا التفاؤل، لا تزال الصورة غير واضحة بالكامل. فقد أشارت وكالة رويترز إلى وجود خلافات جوهرية بين الطرفين، خصوصًا بشأن الملف النووي، مع احتمال ربط استمرار فتح المضيق بالتزام واشنطن ببنود وقف إطلاق النار. كما تحدثت تقارير عن تباين داخلي في الموقف الإيراني حول مدى نهائية الترتيبات الحالية.
في موازاة ذلك، كشف ترامب عن خطة أمريكية–إيرانية لنقل مخزون اليورانيوم المخصب إلى الولايات المتحدة ضمن عملية منظمة ومعقدة تعتمد على تقنيات متقدمة لمعالجة المواد النووية.
لكن تفاصيل الاتفاق المحتمل لا تزال محل جدل، وسط تقارير تشير إلى أن إيران قد تحصل على حوافز مالية كبيرة مقابل التعاون، تتراوح بين أموال مجمدة بقيمة 6 مليارات دولار، ومستحقات تصل إلى 15 مليار دولار لدى العراق، وصولًا إلى مقترحات قد تبلغ 20 مليار دولار مقابل تسليم المواد الانشطارية.
يبدو أن الرئيس الأمريكي واثق من قرب التوصل إلى اتفاق نهائي، حيث تحدث عن اجتماع مرتقب بين الطرفين خلال عطلة نهاية الأسبوع، مع إمكانية التوصل إلى تسوية خلال أيام قليلة فقط.
وفي الوقت نفسه، بدأت حركة الملاحة في مضيق هرمز بالعودة التدريجية، مع عبور عدد من ناقلات النفط، رغم استمرار التحذيرات من مخاطر الوضع غير المستقر.
ومع ذلك، تشير مصادر إعلامية إلى أن الطريق نحو اتفاق شامل لا يزال غير مكتمل، رغم التقدم في صياغة ما يُوصف بـ“خطة سلام أولية”، إذ لا تزال بعض الملفات العالقة تشكل عقبة أمام التسوية النهائية.
تنتهي الهدنة الحالية في 21 أبريل، ما يجعل الأيام المقبلة حاسمة في تحديد اتجاه الأزمة: هل تتحول هذه التهدئة إلى نهاية دائمة للصراع؟ أم أنها مجرد استراحة مؤقتة قد تعيد التوتر إلى الواجهة من جديد؟
في المحصلة، تبدو الأسواق وكأنها اختارت سيناريو التفاؤل، لكن التجربة التاريخية تؤكد أن تسعير المخاطر في أوقات الحروب يبقى دائمًا رهانًا دقيقًا، قد ينجح في قراءة المستقبل… أو يفاجئ الجميع بعكس التوقعات.



