اقتصاد المغربالأخبار

3 ملايين شاب مغربي خارج دائرة العمل والدراسة والتكوين

رغم الأداء الإيجابي للاقتصاد المغربي خلال سنة 2025، الذي سجل نمواً بلغ 4.9%، ما تزال أزمة إدماج الشباب تشكل أحد أبرز التحديات الاجتماعية والاقتصادية، بعدما كشفت معطيات حديثة أن حوالي 2.94 مليون شاب تتراوح أعمارهم بين 15 و29 سنة يوجدون خارج دائرة العمل أو الدراسة أو التكوين.

وحسب مذكرة صادرة عن المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمية (CAESD)، فإن هذه الأرقام تعكس استمرار فجوة بين التحسن المسجل في المؤشرات الاقتصادية الكبرى وبين قدرة الاقتصاد على توفير مسارات مهنية مستقرة لفئة واسعة من الشباب.

وأوضح المركز أن هذه الفئة، المعروفة اختصاراً بـ “NEET”، والتي تضم الأشخاص الذين لا يشتغلون ولا يتابعون أي مسار تعليمي أو تكويني، تمثل حوالي 33.6% من الشباب بين 15 و29 سنة، مشيراً إلى أن الظاهرة تتجاوز مفهوم البطالة التقليدية.

وتشمل هذه الفئة شباباً غادروا المدرسة في وقت مبكر، وحاصلين على شهادات غير قادرين على الحصول على أول فرصة مهنية، وأشخاصاً توقفوا عن البحث عن عمل بسبب ضعف فرص الإدماج، إضافة إلى نساء يواجهن عوائق تحول دون دخولهن سوق الشغل.

تكشف المعطيات عن تفاوت كبير بين الشباب والشابات في ما يتعلق بالاندماج الاقتصادي، حيث يصل معدل الشباب خارج العمل والتعليم والتكوين إلى 49.1% لدى النساء، مقابل 18.5% لدى الرجال.

ويربط المركز هذا الفرق بمجموعة من العوامل، من بينها محدودية فرص الشغل المناسبة، وتحمل النساء لأعباء أسرية ومنزلية غير مؤدى عنها، وضعف خدمات رعاية الأطفال، فضلاً عن صعوبات التنقل والبعد عن مراكز النشاط الاقتصادي.

وأكد التقرير أن هذه الفجوة تكشف عن وجود معيقات هيكلية تتجاوز الظرفية الاقتصادية، وتؤثر بشكل مباشر على استقلالية شريحة واسعة من الشابات وقدرتهن على بناء مسار مهني مستقر.

ورغم تحسن عدد من المؤشرات الاقتصادية خلال 2025، يرى المركز أن انعكاساتها على حياة الأسر والشباب ما تزال محدودة.

ففي الوقت الذي تراجع فيه معدل التضخم إلى 0.8%، وانخفض العجز المالي إلى 3.5% من الناتج الداخلي الخام، وارتفع الاستثمار الثابت بنسبة 14.4%، لم تتجاوز وتيرة نمو الاستهلاك الخاص 1.2%.

ويبرز هذا الوضع، حسب التقرير، وجود فجوة بين تحسن التوازنات الاقتصادية الكبرى وبين قدرة المواطنين على لمس آثارها من خلال ارتفاع المداخيل، وتحسن القدرة الشرائية، وتوفر فرص عمل كافية.

وأشار المركز إلى أن النمو الاقتصادي لا يصبح ملموساً بالنسبة للشباب إلا عندما يتحول إلى فرص حقيقية تمكنهم من الحصول على دخل منتظم، والاستقلال عن أسرهم، وتمويل مشاريعهم الشخصية والمهنية.

ورغم تمكن الاقتصاد المغربي من إحداث حوالي 193 ألف منصب شغل صافٍ خلال سنة 2025، فإن هذا الرقم لا يزال أقل من حجم الحاجيات المتراكمة في سوق العمل.

واستناداً إلى بيانات البنك الدولي، أشار التقرير إلى أن الفجوة بين عدد الوظائف المحدثة والحاجيات الضرورية للحفاظ على استقرار معدل التشغيل بلغت حوالي 370 ألف منصب سنوياً خلال الفترة الممتدة بين 2020 و2024.

ويرى المركز أن التحدي الأساسي لا يكمن في غياب فرص العمل بشكل مطلق، وإنما في عدم كفاية سرعتها مقارنة بتزايد أعداد الشباب الداخلين إلى سوق الشغل وارتفاع الطلب على الإدماج المهني.

كما أظهرت المعطيات أن معدل النشاط الاقتصادي بالمغرب لا يزال منخفضاً، إذ بلغ 41.8% خلال الفصل الأول من 2026، مقابل متوسط عالمي يناهز 61%. أما بالنسبة للنساء، فلم يتجاوز معدل النشاط 17.5% مقارنة بحوالي 51% عالمياً.

ويعني ذلك أن جزءاً مهماً من السكان لا يظهر ضمن أرقام البطالة الرسمية، إما بسبب الانسحاب من البحث عن العمل أو بسبب صعوبات الولوج إلى سوق الشغل.

سلط التقرير الضوء على ما وصفه بـ “حلقة الخبرة المفقودة”، حيث يجد العديد من الشباب أنفسهم أمام معادلة صعبة: الشركات تطلب تجربة مهنية مسبقة، بينما يصعب اكتساب هذه التجربة دون الحصول على فرصة أولى.

ورغم ارتفاع المستوى التعليمي، إذ يتوفر 56% من الشباب بين 18 و35 سنة على تعليم بعد الثانوي، فإن ذلك لم يترجم بالضرورة إلى فرص أكبر في سوق العمل.

ويعتبر حوالي 34% من الشباب أن ضعف التوافق بين التكوين ومتطلبات المقاولات يمثل أكبر عائق أمام التوظيف، في حين يرى 18.8% أن غياب الخبرة المهنية هو المشكلة الرئيسية.

ويؤكد المركز أن المرحلة المقبلة تتطلب تعزيز التكوينات التطبيقية، وتوسيع برامج التدريب، وربط المسارات التعليمية بشكل أكبر بالحاجيات الفعلية للمقاولات.

رغم الانتشار الواسع لاستخدام الإنترنت بين الشباب، حيث تبلغ النسبة 76.9% لدى الفئة العمرية بين 15 و34 سنة، فإن الاستفادة الاقتصادية من هذا الولوج الرقمي لا تزال محدودة.

وأوضح التقرير أن التحدي لم يعد مرتبطاً فقط بتوفير الاتصال والتكنولوجيا، بل بتحويل الاستخدام الرقمي إلى مهارات قابلة للتوظيف، مثل تحليل البيانات، والبرمجة، وإدارة المشاريع، واستخدام الأدوات المهنية الحديثة.

وأشار إلى أن سوق الشغل أصبح يطلب مزيجاً من الكفاءات التقنية والمهارات الشخصية، بما في ذلك التواصل، والقدرة على التحليل، والتكيف مع التحولات الاقتصادية.

وحذر المركز من أن استمرار صعوبات الإدماج المهني يؤخر انتقال الشباب إلى مرحلة الاستقلال الاقتصادي، إذ يؤدي غياب التجربة الأولى والدخل المستقر إلى استمرار الاعتماد على الأسر لفترات أطول.

وتأتي هذه الوضعية في سياق تحولات ديمغرافية مهمة، حيث تراجعت نسبة الأشخاص الأقل من 15 سنة من 28.2% سنة 2014 إلى 26.5% سنة 2024، مقابل ارتفاع نسبة الأشخاص الذين تتجاوز أعمارهم 60 سنة من 9.4% إلى 13.8%.

كما كشف التقرير أن 55% من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 سنة فكروا في الهجرة خلال 2023 و2024، وهي نسبة تعكس، حسب المركز، رغبة جزء كبير من الشباب في البحث عن مسارات مهنية أكثر وضوحاً واستقراراً.

لمواجهة هذه التحديات، دعا المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمية إلى اعتماد خطة وطنية تمتد لخمس سنوات تقوم على أهداف واضحة وقابلة للقياس، بدل تعدد البرامج دون تنسيق كافٍ.

وتشمل المقترحات تقليص مدة بقاء الشباب خارج العمل أو الدراسة أو التكوين، وتعزيز مشاركة النساء اقتصادياً، وضمان حصول الشباب على تجربة مهنية أولى مدفوعة الأجر.

كما أوصى بإطلاق عقود للتجربة المهنية الأولى تمتد بين تسعة و12 شهراً، تجمع بين التكوين والدعم المالي والمواكبة، بهدف جعل أول فرصة عمل نقطة انطلاق لمسار مهني مستدام.

واقترح التقرير أيضاً إنشاء منصات محلية تجمع مختلف المتدخلين، من جماعات ترابية ووكالات تشغيل ومؤسسات تكوين ومقاولات وجمعيات، لتوفير مسار موحد للشباب الباحث عن فرصة مهنية.

وخلص المركز إلى أن معالجة أزمة إدماج الشباب لا تتطلب فقط إضافة برامج جديدة، بل بناء منظومة متكاملة تعتمد على وضوح المسؤوليات، وتوفير التمويل، ونشر المعطيات، وإجراء تقييم مستمر لقياس فعالية السياسات العمومية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى