اقتصاد المغربالاقتصادية

لم يعد جبل تروبيك مجرد تكوين جيولوجي غارق في أعماق المحيط الأطلسي، بعدما تحول إلى نقطة اهتمام استراتيجي تتقاطع عندها حسابات المغرب وإسبانيا مع السباق الدولي على المعادن الحيوية.

فالموقع، الذي يختزن ثروات معدنية نادرة تدخل في صناعات الطاقة النظيفة والتكنولوجيا المتقدمة، يقع في منطقة بحرية ترتبط بملف معقد حول ترسيم الحدود والجرف القاري.

ويقع جبل تروبيك على عمق يقارب ألف متر تحت سطح المحيط الأطلسي، جنوب جزيرة إل هييرو بأرخبيل الكناري، ويعود تكوينه الجيولوجي إلى نحو 119 مليون سنة. وتمتد قمته على مساحة تقدر بحوالي 120 كيلومتراً مربعاً، غير أن أهميته لا ترتبط بعمره الجيولوجي بقدر ما ترتبط بالثروات التي تختزنها طبقاته الصخرية.

وتشير المعطيات العلمية إلى احتواء المنطقة على تركيزات مهمة من التيلوريوم والكوبالت والنيكل والعناصر الأرضية النادرة، وهي مواد أصبحت تحظى بأهمية متزايدة مع توسع صناعة السيارات الكهربائية والبطاريات والألواح الشمسية والتكنولوجيات المرتبطة بالتحول الطاقي.

وتزداد جاذبية الموقع بالنظر إلى التقديرات التي تشير إلى إمكانية احتوائه على ما يقارب 5 في المائة من الاحتياطي العالمي المعروف من التيلوريوم، وهو معدن نادر يستخدم في عدد من التطبيقات الصناعية والتكنولوجية.

وقد ساهمت هذه المؤهلات في تعزيز الاهتمام الأوروبي بالمنطقة في سياق البحث عن مصادر جديدة للمعادن الاستراتيجية وتقليص الاعتماد على سلاسل التوريد الخارجية.

وتعود جذور الخلاف المرتبط بجبل تروبيك إلى ملف أوسع يتعلق بحدود الجرف القاري في المنطقة البحرية الممتدة جنوب غرب جزر الكناري.

ففي سنة 2014، تقدمت إسبانيا إلى الأمم المتحدة بطلب لتوسيع جرفها القاري جنوب غرب الأرخبيل، وهو المسار الذي شمل المنطقة التي يوجد فيها الجبل البحري. ويمنح توسيع الجرف القاري للدولة المعنية حقوقاً في استكشاف واستغلال الموارد الطبيعية الموجودة في قاع البحر وباطن الأرض، وفق القواعد التي يحددها القانون الدولي للبحار.

وفي المقابل، أقر المغرب سنة 2020 قوانين تتعلق بترسيم حدوده البحرية ومياهه الإقليمية ومنطقته الاقتصادية الخالصة، بما شمل المجالات البحرية المحاذية للصحراء المغربية. وأدى ذلك إلى تداخل بين المطالب البحرية للبلدين في بعض المناطق، ما جعل جبل تروبيك واحداً من أبرز النقاط التي تستقطب الاهتمام في هذا الملف.

ولا يعني وجود مطالب متداخلة أن السيادة على الجبل حُسمت لصالح أي طرف، إذ تظل الوضعية القانونية للموقع مرتبطة بمسار ترسيم الحدود البحرية وبالإجراءات الدولية ذات الصلة. كما أن الطلب الإسباني المتعلق بتوسيع الجرف القاري لم يحسم بشكل نهائي بما يمنح مدريد حقوقاً حصرية على الموقع.

وتتجاوز أهمية جبل تروبيك الجانب الحدودي، إذ يأتي الاهتمام به في وقت تحولت فيه المعادن الحيوية إلى عنصر أساسي في الحسابات الاقتصادية والاستراتيجية للدول.

فالتوسع العالمي في إنتاج السيارات الكهربائية والبطاريات ومنشآت الطاقة المتجددة يرفع الطلب على مجموعة من المعادن النادرة، فيما تسعى القوى الاقتصادية الكبرى إلى تنويع مصادر الإمدادات وتأمين سلاسل التوريد الخاصة بها.

ومن هذه الزاوية، يكتسب الموقع أهمية إضافية بالنسبة إلى المغرب وإسبانيا والاتحاد الأوروبي، خصوصاً أن السيطرة القانونية على الموارد البحرية قد تفتح مستقبلاً المجال أمام عمليات الاستكشاف والاستغلال، إذا سمحت القواعد الدولية والتطورات التقنية والبيئية بذلك.

كما أن موقع الجبل في المحيط الأطلسي، بالقرب من جزر الكناري والمجال البحري المغربي، يضيف بعداً جيوسياسياً إلى الملف، في ظل تنامي أهمية المنطقة الأطلسية بالنسبة إلى حركة التجارة والطاقة والموارد الطبيعية.

ويأتي ملف جبل تروبيك في سياق علاقات مغربية إسبانية شهدت خلال السنوات الأخيرة تحولات مهمة، بعدما انتقلت من فترات من التوتر إلى تعاون متزايد في عدد من المجالات، مع استمرار وجود ملفات خلافية وحساسة بين البلدين.

ومن شأن أي تطور في ملف الحدود البحرية أن يتأثر بطبيعة هذه العلاقات، خصوصاً أن النزاعات المتعلقة بالمجالات البحرية والثروات الطبيعية عادة ما تتداخل فيها الاعتبارات القانونية والاقتصادية والسياسية.

كما تطرح الثروات المعدنية المحتملة في المنطقة تساؤلات حول دور القوى الاقتصادية الكبرى، في وقت أصبحت فيه المعادن الاستراتيجية جزءاً من المنافسة الدولية على التكنولوجيا والطاقة وسلاسل الإمداد.

ويرى بعض المحللين أن مكانة المغرب كشريك استراتيجي للولايات المتحدة وأوروبا قد تدخل ضمن الحسابات الجيوسياسية المرتبطة بالمنطقة، غير أن أي حديث عن تفضيل قوة دولية لطرف على حساب آخر يظل في نطاق التحليل السياسي، ولا يعكس بالضرورة موقفاً رسمياً أو قراراً دولياً قائماً.

وبذلك، لم يعد جبل تروبيك مجرد قضية مرتبطة بحدود بحرية متداخلة، بل أصبح عنواناً لتقاطع عدة رهانات، من الثروات المعدنية النادرة إلى التحول الطاقي والأمن الاقتصادي والمنافسة الجيوسياسية في الأطلسي.

ومع استمرار تطور الطلب العالمي على المعادن الحيوية، قد تزداد أهمية هذا الموقع خلال السنوات المقبلة، لتصبح كيفية حسم وضعه القانوني وإدارة موارده المحتملة واحدة من الملفات التي تستحق متابعة دقيقة على مستوى العلاقات المغربية الإسبانية والمشهد الجيوسياسي في غرب المتوسط والأطلسي.

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى