نحو 30 منصة رقمية أجنبية تحت مجهر الضرائب في المغرب

أصبح توسع الاقتصاد الرقمي يفرض على المنظومة الجبائية المغربية أسئلة جديدة حول كيفية إخضاع الأنشطة الرقمية العابرة للحدود للقواعد الضريبية، في وقت باتت فيه منصات أجنبية عديدة تقدم خدماتها مباشرة للمستهلكين داخل المملكة دون الحاجة إلى وجود مادي تقليدي على غرار الشركات المحلية.
وفي هذا السياق، تتجه الإدارة الجبائية إلى توسيع نطاق المراقبة ليشمل حوالي 30 منصة رقمية أجنبية تنشط في السوق المغربية، في خطوة تعكس سعي السلطات إلى مواكبة التحولات التي فرضتها التجارة والخدمات الرقمية على طرق ممارسة الأنشطة الاقتصادية وتحصيل الضرائب.
ويطرح هذا التوجه تحدياً يتعلق أساساً بتحقيق العدالة الجبائية بين مختلف الفاعلين، خصوصاً أن المقاولات المغربية مطالبة بالامتثال لمجموعة من الالتزامات المحلية، في حين تستطيع منصات دولية تقديم خدماتها عن بُعد والوصول إلى المستهلكين المغاربة من دون اعتماد البنية التقليدية نفسها.
وتزداد صعوبة المهمة أمام الإدارة مع تنوع النماذج الاقتصادية للمنصات الرقمية، إذ لا تتشابه طبيعة أنشطتها أو طرق تحقيق الإيرادات. ولذلك، يصبح تحديد طبيعة النشاط وحجم المعاملات المنجزة داخل المغرب وتدفقات الأموال المرتبطة بها أمراً أساسياً لتحديد الالتزامات الجبائية المناسبة لكل حالة.
ولا يتعلق الأمر فقط بالمنصات التي تبيع خدماتها بشكل مباشر، بل يمتد إلى نماذج أخرى تقوم على الوساطة أو ربط المستخدمين بمقدمي الخدمات، وهو ما يجعل تحديد المسؤوليات والالتزامات الضريبية أكثر تعقيداً مقارنة بالأنشطة الاقتصادية التقليدية.
ومع توسع حضور المنصات الأجنبية في السوق المغربية، تبرز الحاجة إلى وضع إطار واضح يمكن مختلف الفاعلين من معرفة حقوقهم والتزاماتهم. فالمنصات الدولية تحتاج إلى قواعد دقيقة تحدد كيفية تعاملها مع النظام الجبائي المغربي، بينما تسعى المقاولات المحلية إلى ضمان منافسة لا تمنح امتيازاً غير مباشر للفاعلين الموجودين خارج المملكة.
وتفرض الرقمنة، في هذا الصدد، إعادة النظر في بعض آليات المراقبة التقليدية، بالنظر إلى أن تقديم الخدمة لم يعد مرتبطاً بالضرورة بوجود شركة أو فرع أو منشأة مادية داخل البلد الذي يوجد فيه المستهلك.
كما أن توفر الإدارة على بيانات موثوقة حول المعاملات الرقمية يمثل عاملاً حاسماً في تحديد حجم النشاط الحقيقي داخل السوق المغربية، والتأكد من مدى احترام الالتزامات الجبائية المترتبة عنه.
ولا تقتصر انعكاسات هذه التحولات على الإدارة والمنصات والمقاولات، إذ يمكن أن يجد المستهلك نفسه معنياً بشكل مباشر بالكيفية التي يتم بها تطبيق القواعد الجبائية على الخدمات الرقمية.
وقد يظهر أثر الضرائب في السعر النهائي الذي يؤديه المستخدم، أو في الفاتورة التي يحصل عليها، أو في تحديد الجهة المسؤولة عن تحصيل الضريبة وأدائها، وهو ما يجعل وضوح المعلومات المقدمة للمستهلك جزءاً أساسياً من منظومة الرقمنة الجبائية.
ومن هذا المنطلق، فإن تشديد المراقبة لا يرتبط فقط برفع المداخيل الضريبية، وإنما يرتبط أيضاً بضمان قدر أكبر من الشفافية والأمن القانوني لجميع الأطراف، سواء تعلق الأمر بالمقاولات المحلية أو المنصات الأجنبية أو المستهلكين.
وتفرض هذه المعادلة على السلطات تحقيق توازن بين توسيع الوعاء الجبائي، وضمان المنافسة العادلة، وحماية المستهلك، والحفاظ على جاذبية الاقتصاد الرقمي، بما يسمح بمواكبة التطورات التكنولوجية دون فرض قيود قد تؤثر في الابتكار والاستثمار.
ومع استمرار توسع الخدمات الرقمية العابرة للحدود، يتوقع أن تصبح مراقبة الأنشطة الرقمية وتحديد طبيعة المعاملات الخاضعة للضريبة من الملفات التي ستحتل حيزاً أكبر ضمن أولويات الإدارة الجبائية، خصوصاً مع تنامي عدد المنصات الأجنبية التي تستهدف السوق المغربية وتطور نماذج أعمالها الرقمية.




