وكالة التنمية الرقمية تسجل خسائر بأكثر من 40 مليون درهم في 2025

في الوقت الذي يراهن فيه المغرب على تسريع التحول الرقمي وتوسيع نطاق الخدمات الرقمية، تكشف الحسابات المالية لوكالة التنمية الرقمية عن وضعية مالية صعبة، بعدما اختتمت المؤسسة سنة 2025 بعجز صافي تجاوز 40 مليون درهم، وفق المعطيات الواردة في العدد الأخير من الجريدة الرسمية رقم 5934.
ولا تبدو هذه النتيجة معزولة، إذ تأتي بعد سنة مالية أخرى انتهت بخسارة كبيرة، بعدما سجلت الوكالة خلال 2024 عجزًا صافيًا ناهز 42 مليون درهم.
ويضع استمرار النتائج السلبية المؤسسة أمام تحدي إعادة النظر في توازنها المالي وفعالية مواردها، خصوصًا في ظل الدور المحوري الذي تضطلع به في تنفيذ عدد من برامج التحول الرقمي بالمملكة.
وتظهر بيانات حساب الموارد والتكاليف أن العجز الصافي المسجل خلال 2025 بلغ بالضبط 40.092.718,28 درهمًا، بينما وصلت النتيجة الجارية للدورة إلى عجز أكبر ناهز 126.785.378,01 درهمًا.
وتعكس هذه الأرقام اتساع الفارق بين موارد المؤسسة وتكاليفها، في وقت يعتمد فيه جانب مهم من تمويل الوكالة على الموارد العمومية.
وتكتسب الوضعية المالية أهمية إضافية بالنظر إلى طبيعة المؤسسة، التي يفترض أن تضطلع بدور أساسي في مواكبة الرقمنة وتطوير الاقتصاد الرقمي ودعم المشاريع المرتبطة بتحديث الإدارة والخدمات العمومية.
وتكشف التفاصيل المحاسبية عن نقطة لافتة تتمثل في غياب الإيرادات الناتجة عن المبيعات والخدمات المقدمة، إذ سجل هذا البند صفر درهم خلال السنة المالية محل الدراسة.
في المقابل، تجاوزت تكاليف الاستغلال 168 مليون درهم، توزعت أساسًا بين التكاليف الجارية الأخرى، التي قاربت 140 مليون درهم، ومصاريف الموظفين والمستخدمين، التي بلغت حوالي 28 مليون درهم.
وتعني هذه المعطيات أن النموذج المالي للوكالة لا يقوم على تحقيق مداخيل ذاتية من نشاطها، وإنما يعتمد بدرجة كبيرة على التمويل العمومي لتغطية تكاليف البرامج والمهام الموكولة إليها.
وتظهر الحسابات أن إعانات الاستغلال التي استفادت منها الوكالة خلال 2025 تجاوزت 126 مليون درهم، ما يعكس الدور الأساسي للتمويل العمومي في ضمان استمرار نشاط المؤسسة.
ويطرح هذا الاعتماد تساؤلات مشروعة حول مدى قدرة الوكالة على تحسين كفاءة الإنفاق ورفع مردودية الموارد المرصودة لها، خصوصًا مع استمرار تسجيل عجز مالي كبير للسنة الثانية على التوالي.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن المؤسسة مطالبة بتحقيق أرباح تجارية، بالنظر إلى طبيعة مهامها العمومية، غير أن استدامة مواردها وفعالية توظيف الميزانية يظلان عنصرين أساسيين في تقييم أدائها.
وتزامن نشر هذه المعطيات مع تجدد النقاش حول طريقة تدبير بعض الصفقات المرتبطة بالوكالة، ولا سيما العقود المتعلقة بتنظيم التظاهرات الرقمية الكبرى.
ويأتي معرض «GITEX Africa» في مقدمة هذه الملفات، بالنظر إلى الحجم المتزايد الذي اكتسبه الحدث وأهمية الموارد المالية واللوجستية التي يتطلبها تنظيمه.
وتطرح أوساط مهنية تساؤلات حول بعض الصفقات المرتبطة بهذه التظاهرات، سواء من حيث معايير اختيار المتعاملين أو قيمة العقود أو طبيعة الخدمات المقدمة، إضافة إلى مدى تناسب حجم الإنفاق مع النتائج والأثر المنتظر على المنظومة الرقمية الوطنية.
غير أن تقييم هذه الجوانب يظل مرتبطًا بالاطلاع على الوثائق التفصيلية للصفقات، ودفاتر التحملات، ومحاضر الإسناد، وحجم الخدمات المنجزة فعليًا، وهي معطيات تسمح بتكوين صورة أكثر دقة عن طريقة تدبير هذه النفقات.
وتضع النتائج المسجلة في 2025 مسألة الحكامة المالية في صدارة الملفات التي تواجه الوكالة، خصوصًا في ظل تكرار العجز وغياب الموارد الذاتية الناتجة عن الخدمات.
وتزداد أهمية هذا الملف مع توسع مسؤوليات الوكالة وتنامي حجم الأوراش المرتبطة بالتحول الرقمي، إذ يصبح من الضروري ضمان توجيه الموارد المتاحة نحو المشاريع ذات الأولوية وتحقيق أكبر قدر ممكن من الأثر الاقتصادي والاجتماعي.
كما أن ارتفاع الاعتماد على الميزانية العمومية يجعل آليات المراقبة والتقييم وقياس نتائج الإنفاق عناصر أساسية لضمان النجاعة والشفافية.
ويمتد النقاش كذلك إلى الشركات التي تتعامل مع الوكالة في إطار مشاريع وصفقات مختلفة، حيث تبرز تساؤلات بشأن آجال تسوية بعض المستحقات المرتبطة بعقود سابقة، خصوصًا في الملفات المتصلة بالتظاهرات والبرامج الرقمية.
وتبقى هذه المعطيات بحاجة إلى توضيحات رسمية تحدد طبيعة الالتزامات المالية القائمة، ومدى تنفيذ العقود، ومراحل الأداء، بما يحفظ حقوق الشركات المتعاقدة ويضمن في الوقت نفسه سلامة المساطر المالية والإدارية.
وفي ظل غياب معطيات تفصيلية منشورة حول هذه الملفات، يظل من الضروري الفصل بين الوقائع المحاسبية الثابتة وبين التساؤلات المتداولة في الأوساط المهنية، إلى حين توفر الوثائق التي تسمح بتقييم كل حالة على حدة.
وتكشف حسابات سنة 2025 عن ثلاث نقاط رئيسية تواجه وكالة التنمية الرقمية، تتمثل في استمرار العجز المالي، محدودية الموارد الذاتية، والاعتماد الكبير على التمويل العمومي.
ومع استمرار المغرب في تنفيذ أوراش واسعة للتحول الرقمي، سيكون تحسين الحكامة وتعزيز الرقابة على الإنفاق ورفع فعالية البرامج من أبرز التحديات المطروحة أمام الوكالة خلال المرحلة المقبلة.
فنجاح التحول الرقمي لا يرتبط فقط بحجم الميزانيات المرصودة، وإنما كذلك بمدى قدرة المؤسسات المكلفة بتنفيذ هذه الاستراتيجية على تحويل الموارد العمومية إلى مشاريع فعالة ونتائج ملموسة تعود بالنفع على الاقتصاد والإدارة والمواطن.




