موجة صعود تاريخية تدفع أسعار القمح إلى أعلى مستوياتها وسط مخاوف من تراجع الإمدادات العالمية

عادت أسواق القمح العالمية إلى واجهة الاهتمام بعدما سجلت العقود الآجلة موجة ارتفاع قوية هي الأكبر منذ أكثر من عام، مدفوعة بتزايد المخاوف بشأن تراجع الإنتاج في عدد من الدول الكبرى المنتجة، إضافة إلى تصاعد الضغوط على سلاسل الإمداد العالمية.
وقفزت أسعار القمح المتداول في بورصة شيكاغو خلال شهر يوليوز بنحو 16 في المائة، لتقترب من مستوى 7 دولارات للبوشل، وهو أعلى سعر يتم تسجيله منذ ماي 2024، في انعكاس مباشر لتراجع التوقعات بشأن المحاصيل المقبلة وتشدد الأسواق في تقييم وضع الإمدادات.
ولم يقتصر الارتفاع على بورصة شيكاغو، إذ سجل قمح الشتاء الأحمر الصلب المتداول في بورصة كانساس سيتي أعلى مستوى للأسعار الفورية منذ غشت 2023، بعدما أثرت الظروف المناخية الصعبة بشكل واضح على توقعات الإنتاج، خصوصاً في مناطق الزراعة الرئيسية.
وتأتي هذه التطورات في وقت تشير فيه تقديرات وزارة الزراعة الأمريكية إلى أن إنتاج الولايات المتحدة من مختلف أنواع القمح قد يتراجع خلال عام 2026 إلى حوالي 1.536 مليار بوشل، وهو أدنى مستوى منذ أكثر من خمسة عقود، ما يعكس حجم الضغوط التي تواجه القطاع الزراعي الأمريكي.
ويُعد قمح الشتاء الأحمر الصلب الأكثر تأثراً بهذه الظروف، إذ تتوقع التقديرات أن ينخفض إنتاجه إلى نحو 471 مليون بوشل فقط، بتراجع يصل إلى 41 في المائة مقارنة بالسنة الماضية، نتيجة موجة الجفاف الحادة التي ضربت مناطق واسعة من السهول الجنوبية الأمريكية.
ولا تواجه الولايات المتحدة وحدها تحديات الإنتاج، إذ تشهد السوق العالمية بدورها عوامل تزيد من حالة القلق بشأن توفر الإمدادات خلال الفترة المقبلة.
ففي منطقة البحر الأسود، فرضت روسيا قيوداً على حركة الشحن التجاري عبر مضيق كيرتش عقب هجمات استهدفت سفناً، بينما تراجعت القدرات التصديرية لأوكرانيا عبر البحر الأسود بعدما فقدت جزءاً مهماً من طاقتها اللوجستية، ما يزيد من المخاوف بشأن تدفق القمح إلى الأسواق العالمية.
وفي القارة الأوروبية، ساهمت موجات الحرارة القوية التي اجتاحت فرنسا وألمانيا في تقليص توقعات المحاصيل، حيث تشير التقديرات إلى احتمال انخفاض إنتاج القمح بأكثر من 9 في المائة، وهو ما قد يمثل أحد أكبر التراجعات المسجلة في المنطقة خلال نحو عشرين عاماً.
ورغم الضغوط التي تواجه القطاع، أظهر القمح الربيعي في الولايات المتحدة قدرة أكبر على الصمود مقارنة بالأنواع الأخرى، مدعوماً بنتائج أفضل في بعض مناطق الإنتاج.
وأظهرت أحدث الجولات الميدانية لتقييم المحاصيل في ولاية داكوتا الشمالية متوسط إنتاج بلغ 48 بوشلاً للفدان، بعد دراسة 218 حقلاً زراعياً، وهي نتائج تنسجم مع توقعات وزارة الزراعة الأمريكية التي تشير إلى إنتاج يقارب 475 مليون بوشل، بانخفاض محدود لا يتجاوز 5 في المائة مقارنة بالموسم السابق.
وتترقب الأسواق العالمية تطورات الموسم الزراعي المقبل، وسط استمرار تأثير العوامل المناخية والجيوسياسية على الأسعار، في وقت أصبحت فيه مستويات الإنتاج في الدول الكبرى عاملاً حاسماً في تحديد اتجاهات القمح خلال الأشهر المقبلة.




