اقتصاد المغربالأخبار

تقرير رسمي يدق ناقوس الخطر حول جاهزية احتياطي المحروقات بالمغرب

أعاد التقرير السنوي للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي برسم سنة 2025 تسليط الضوء على أحد أبرز التحديات التي تواجه المغرب في مسار تعزيز سيادته الطاقية، والمتمثل في محدودية منظومة المخزونات الاحتياطية للمحروقات ومدى جاهزيتها لمواجهة الأزمات الخارجية.

ففي الوقت الذي يواصل فيه المغرب تنفيذ مشاريع كبرى في مجالات الطاقة والبنيات التحتية، كشف التقرير المرفوع إلى الملك محمد السادس أن نظام التخزين الاستراتيجي للمواد الطاقية لا يزال بحاجة إلى إصلاحات عميقة تمكنه من مواكبة التحولات العالمية وضمان قدرة أكبر على الصمود أمام اضطرابات الأسواق الدولية.

وأوضح المجلس أن المملكة حققت تقدماً مهماً في تطوير قدراتها الطاقية، غير أن الاعتماد الكبير على المحروقات المستوردة يجعل تعزيز الاحتياطي الاستراتيجي أولوية اقتصادية وأمنية، خاصة في ظل استمرار التوترات الجيوسياسية وتقلب أسعار الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد العالمية.

وتشير معطيات التقرير إلى أن المنتجات البترولية حافظت على مكانتها كعنصر رئيسي ضمن المزيج الطاقي الوطني، إذ بلغت حصتها حوالي 51 في المائة من الاستهلاك الطاقي سنة 2025، بحجم استهلاك وصل إلى نحو 12.8 مليون طن، يستحوذ الغازوال على الحصة الأكبر منها بنسبة تقارب 73 في المائة. كما يتوقع التقرير ارتفاع الطلب على المحروقات بحوالي 16 في المائة بحلول سنة 2030، ما يعزز الحاجة إلى منظومة أكثر فعالية لتأمين الإمدادات.

وفي تقييمه لطريقة تدبير المخزونات الاحتياطية، سجل المجلس أن المغرب يعتمد أساساً على القطاع الخاص في تكوين وتدبير الاحتياطيات الإلزامية، في غياب مخزون استراتيجي عمومي أو مؤسسة وطنية متخصصة في هذا المجال، خلافاً لعدد من الدول التي تعتمد نماذج تجمع بين تدخل الدولة ومساهمة الفاعلين الخواص لضمان مرونة أكبر خلال فترات الطوارئ.

كما أبرز التقرير أن الإطار القانوني المنظم لهذا القطاع لا يزال يستند إلى مقتضيات تعود إلى سنة 1971، وهو ما يجعلها غير قادرة بشكل كامل على مواكبة التحولات التي عرفها قطاع الطاقة بالمغرب خلال العقود الماضية.

ويرى المجلس أن استمرار هذا الوضع أدى إلى بروز عدد من النقائص، من بينها عدم وجود تمييز واضح بين المخزون التجاري والمخزون الاحتياطي الإلزامي، إضافة إلى غياب معايير دقيقة لتحديد مستويات التخزين المطلوبة، وضعف التخطيط الجهوي لتوزيع المنشآت بما يسمح بسرعة التدخل عند وقوع الأزمات.

وعلى مستوى المراقبة، نبه التقرير إلى وجود اختلالات مرتبطة بضعف الآليات الرقابية، مشيراً إلى أن العقوبات القانونية لم تعرف تحديثاً منذ عقود، فيما تظل عمليات التتبع معتمدة بدرجة كبيرة على التصريحات المقدمة من الشركات، دون اعتماد مراقبة ميدانية منتظمة أو منح صلاحيات كافية لأعوان المراقبة لتحرير محاضر المخالفات.

ورغم هذه التحديات، سجل التقرير تطوراً في قدرات التخزين خلال الفترة الممتدة بين 2021 و2025، حيث ارتفعت طاقات تخزين المنتجات البترولية السائلة بنسبة 36 في المائة، فيما زادت قدرات تخزين غازات البترول المسيلة بنسبة 43 في المائة. غير أن المجلس أكد أن هذه الزيادة لا تزال تواجه إشكالية التمركز الجغرافي للبنيات التحتية.

وفي هذا السياق، أوضح التقرير أن أكثر من 70 في المائة من قدرات تخزين غاز البوتان توجد بالمحمدية، في حين تتركز حوالي 80 في المائة من قدرات تخزين المنتجات البترولية السائلة بين طنجة والمحمدية والجرف الأصفر، وهو ما قد يمثل نقطة ضعف في حال حدوث أزمات لوجستية أو كوارث طبيعية أو اضطرابات أمنية.

وأضاف المجلس أن تطوير منظومة التخزين يواجه مجموعة من العوائق العملية، أبرزها الضغط المتزايد على الموانئ، وصعوبة تعبئة الوعاء العقاري، وتعقيد إجراءات الترخيص، وضعف الربط بين منشآت التخزين والمرافق المينائية، إلى جانب غياب آلية تمويل مستدامة منذ إنهاء نظام دعم المحروقات سنة 2014.

وفي الجانب الاجتماعي والاقتصادي، شدد التقرير على أن مفهوم الأمن الطاقي لا يرتبط فقط بتوفير كميات كافية من المحروقات، بل يشمل أيضاً ضمان استقرار الأسعار وحماية القدرة الشرائية للأسر والمقاولات. وفي هذا الإطار، أشار المجلس إلى استمرار الجدل حول أسعار الوقود، رغم أن عمليات المراقبة التي أنجزها مجلس المنافسة خلال النصف الثاني من مارس 2026 لم ترصد ممارسات مخالفة لقواعد المنافسة في سوق توزيع المحروقات.

وتؤكد خلاصات التقرير أن المغرب قطع خطوات مهمة في تطوير بنياته التخزينية، لكنه ما يزال بحاجة إلى بناء منظومة متكاملة للأمن الطاقي تقوم على تحديث الإطار التشريعي، وتعزيز دور الدولة في تدبير الاحتياطي الاستراتيجي، وتحقيق توزيع أكثر توازناً للبنيات التحتية، إضافة إلى تطوير آليات التمويل والمراقبة.

ويخلص المجلس إلى أن الرهان المستقبلي لا يكمن فقط في رفع قدرات التخزين، بل في بناء سياسة طاقية شاملة تجعل المغرب أكثر قدرة على مواجهة الأزمات العالمية وحماية استقرار اقتصاده في ظل بيئة دولية تتسم بارتفاع المخاطر والتقلبات.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى