صناديق التحوط تتصدر سوق السندات وتكشف جانباً جديداً من مخاطر الديون العالمية

تتغير خريطة المستثمرين في أسواق السندات العالمية بوتيرة متسارعة، مع تراجع الحضور التقليدي لصناديق التقاعد والمؤسسات طويلة الأجل، مقابل تنامي نفوذ صناديق التحوط التي أصبحت لاعبًا رئيسيًا في سوق الدين، مستفيدة من استراتيجيات تعتمد بدرجة كبيرة على التمويل بالاقتراض والرافعة المالية.
ويأتي هذا التحول في وقت تواجه فيه أسواق السندات ضغوطًا متزايدة بفعل ارتفاع مستويات الدين الحكومي، واستمرار المخاوف بشأن التضخم، إلى جانب التوترات الجيوسياسية، ما أدى إلى موجة بيع واسعة دفعت عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات إلى ملامسة 5%، فيما اقترب عائد السندات لأجل 30 عامًا من أعلى مستوياته في نحو 19 عامًا.
وتكمن أهمية هذا التحول في أن صناديق التحوط أصبحت تؤدي دورًا متزايدًا في توفير السيولة وتمويل الحكومات، لكنها في الوقت نفسه تعتمد على أدوات تمويل تجعلها أكثر حساسية للتحركات المفاجئة في الأسعار.
وهو ما يثير تساؤلات حول ما إذا كانت هذه الصناديق تمثل عنصر استقرار للسوق أم مصدرًا محتملاً لتفاقم الاضطرابات عند اشتداد الضغوط.
تُعد سوق سندات الخزانة الأمريكية واحدة من أضخم الأسواق المالية وأكثرها نشاطًا حول العالم، إذ تقترب قيمة الأوراق المالية المتداولة فيها يوميًا من تريليون دولار، فيما تستخدم تريليونات أخرى من السندات كضمانات للحصول على تمويل قصير الأجل.
وتضم هذه السوق طيفًا واسعًا من المستثمرين، من البنوك المركزية والمؤسسات المصرفية وشركات التداول عالي السرعة، إلى شركات التأمين وصناديق التقاعد والأوقاف وصناديق التحوط.
لكن تركيبة السوق شهدت تغيرًا كبيرًا منذ الأزمة المالية العالمية، بعدما تراجعت قدرة البنوك على لعب دور الوسيط الرئيسي في سوق الخزانة.
فحتى عام 2009، كانت أذرع الوساطة التابعة للبنوك الاستثمارية تشتري نحو نصف سندات الخزانة التي تتجاوز آجالها عامًا واحدًا في المزادات، قبل إعادة بيعها للمستثمرين. غير أن القواعد التنظيمية الجديدة التي فرضت على البنوك تخصيص مزيد من رأس المال لهذه الأنشطة دفعتها إلى تقليص حضورها، لتنخفض حصتها إلى نحو 12% فقط.

ومع انحسار دور البنوك، وجدت صناديق التحوط مساحة أكبر للتوسع، مستفيدة من قدرتها على التحرك بسرعة واستخدام الاقتراض لبناء مراكز كبيرة، إلا أن طبيعة هذه الصناديق تختلف عن المستثمرين التقليديين الذين يحتفظون بالسندات لفترات طويلة.
تستخدم صناديق التحوط مجموعة من الاستراتيجيات للاستفادة من تحركات سوق السندات، ومن أبرزها استراتيجيات القيمة النسبية التي تقوم على استغلال فروق محدودة بين أسعار أصول متشابهة.
وبما أن الفوارق السعرية المستهدفة تكون عادة ضيقة، تحتاج الصناديق إلى تنفيذ صفقات ضخمة حتى تحقق عائدًا ملموسًا، وهو ما يدفعها إلى الاعتماد بكثافة على الأموال المقترضة.
وتأتي صفقة الأساس “Basis Trade” في مقدمة هذه الاستراتيجيات، إذ تستفيد من الفارق بين أسعار سندات الخزانة في السوق الفورية وأسعار العقود الآجلة المرتبطة بها.
وفي هذه العمليات، قد تبيع صناديق التحوط العقود الآجلة وتستخدم التمويل المتاح لشراء سندات الخزانة الفعلية، على أمل أن يتقلص الفارق بين السعرين لاحقًا وتحقيق ربح من هذا التقارب.
غير أن هذه الاستراتيجية تصبح أكثر خطورة عندما تكون ممولة بدرجة مرتفعة بالاقتراض.
فسندات الخزانة المستخدمة في هذه الصفقات يمكن أن تكون نفسها ضمانًا للحصول على التمويل، وبالتالي فإن تراجع أسعارها قد يدفع المقرضين إلى طلب ضمانات إضافية. وإذا تزامن ذلك مع انخفاض حاد في السوق، فقد تضطر الصناديق إلى بيع أصولها بسرعة لتلبية طلبات التمويل.
وقد يؤدي هذا النوع من عمليات البيع الإجباري إلى مزيد من الضغط على أسعار السندات، ما يخلق حلقة متسارعة من انخفاض الأسعار وارتفاع متطلبات الضمان وزيادة عمليات التصفية.
وتكشف بيانات مكتب الأبحاث المالية مدى اعتماد استراتيجيات القيمة النسبية على الرافعة المالية، إذ تشير التقديرات إلى أنه مقابل كل 26 دولارًا تستثمرها صناديق التحوط في هذه الصفقات، يتم اقتراض نحو 25 دولارًا.
في الوقت الذي وسعت فيه صناديق التحوط حضورها، بدأت صناديق التقاعد والمستثمرون التقليديون في خفض انكشافهم على السندات.

فقد كانت صناديق التقاعد الأمريكية تخصص في السابق ما يقرب من 40% من أصولها لأدوات الدخل الثابت، لكن هذه النسبة تراجعت خلال السنوات الأخيرة إلى ما يتراوح بين 10% و15%، مع زيادة مخصصاتها للديون الخاصة والعقارات والبنية التحتية وغيرها من الأصول.
وشهدت الأسواق الخارجية توجهًا مماثلًا، إذ خفضت صناديق تقاعد كبرى في الدنمارك وهولندا وأستراليا حيازاتها من سندات الخزانة خلال العام الماضي، فيما اتجه صندوق الثروة السيادي النرويجي أيضًا إلى تقليص استثماراته في السندات الحكومية.
وفي المقابل، زادت صناديق التحوط تعرضها لسندات الخزانة الأمريكية بشكل واضح، إذ ضاعفت انكشافها تقريبًا بين عامي 2023 و2025، لتصل حصتها إلى نحو 8.5% من السوق، وفق بحث لمجلس الاحتياطي الفيدرالي.
وبحسب بيانات مكتب الأبحاث المالية التابع لوزارة الخزانة الأمريكية، وصلت حيازات صناديق التحوط من سندات الخزانة إلى نحو 2 تريليون دولار في بداية العام، وهو مستوى يزيد بأكثر من الضعف عما كانت عليه قبل خمس سنوات.
كما أظهرت البيانات ارتفاع قيمة الحيازات خلال عام 2025، من 2.31 تريليون دولار في 30 يونيو إلى 2.29 تريليون دولار في يوليو، ثم 2.35 تريليون دولار في أغسطس، قبل أن تصل إلى 2.39 تريليون دولار في سبتمبر.
ولا يقتصر صعود صناديق التحوط على سوق الخزانة الأمريكية، إذ أصبح حضورها أكثر وضوحًا في أسواق السندات العالمية.
ففي أوروبا، تجاوزت حصة صناديق التحوط نصف إجمالي أحجام التداول في أسواق السندات، بعدما كانت تدور حول الربع في عام 2018.
وفي اليابان، تمثل صناديق التحوط والمستثمرون الأجانب الآخرون نحو 60% من التداولات اليومية في سوق السندات، فيما تصل حصتهم إلى نحو 90% من تداولات العقود الآجلة، رغم امتلاكهم قرابة 10% فقط من إجمالي السندات القائمة.
أما في كندا، فتستحوذ صناديق التحوط على ما يتراوح بين 30% و50% من الطلب في مزادات الديون، بينما تمتلك أكثر من نصف السندات الحكومية المتداولة في المملكة المتحدة.
وتظهر البيانات الأوروبية مدى سرعة توسع هذا الدور، إذ ارتفعت حصة صناديق التحوط من تداولات السندات الأوروبية من 33% في 2020 إلى 40% في 2021، ثم 50% في 2022 و56% في 2023، قبل أن تتراجع بشكل طفيف إلى 55% في 2024 و54% في 2025، وفق بيانات تقرير للمركزي الأوروبي.
ورغم المخاوف المرتبطة بالاقتراض والرافعة المالية، فإن تنامي حضور صناديق التحوط لا يمثل تهديدًا للسوق بالضرورة، بل يؤدي أيضًا وظيفة مهمة في تعزيز السيولة واستيعاب الإصدارات الحكومية.
وقد أكد مسؤولون عن مكاتب إدارة الدين الحكومي في كندا وألمانيا وإيطاليا أهمية الدور الذي تؤديه هذه الصناديق في توفير السيولة وتعميق الأسواق، فيما ترى صناديق التحوط أن اعتمادها على الاقتراض لا يعني بالضرورة تحمل مخاطر غير محسوبة، خصوصًا مع استخدام استراتيجيات تحوط ومراكز متقابلة للحد من أثر التقلبات.
كما أصبحت صناديق التحوط مصدرًا مهمًا للطلب على الدين الأمريكي. وتشير دراسة منفصلة للاحتياطي الفيدرالي إلى أنها استوعبت أكثر من ثلث إجمالي اقتراض الحكومة الأمريكية بين عامي 2022 و2024، متجاوزة بذلك حجم ما استوعبه جميع المستثمرين الأجانب مجتمعين.
لكن هذا الدور المزدوج يظل مصدر قلق للجهات التنظيمية، خصوصًا في ظل ارتفاع مستويات الرافعة المالية.
وحذر محافظ بنك إنجلترا أندرو بيلي من أن قيام عدد صغير من الصناديق ذات المديونية المرتفعة بتصفية مراكزها في الوقت نفسه قد يخلق ضغوطًا كبيرة على الأسواق ويهدد استقرارها.
وتكشف هذه التطورات عن تحول مهم في طبيعة سوق السندات العالمية؛ فالمستثمرون الذين يساهمون في الوقت الحالي في توفير السيولة وتمويل الحكومات يمكن أن يتحولوا في ظروف السوق المضطربة إلى مصدر إضافي للتقلبات.
وبذلك، لم تعد سلامة أسواق السندات مرتبطة فقط بحجم الدين الذي تصدره الحكومات أو بمستوى أسعار الفائدة، وإنما أصبحت مرتبطة أيضًا بتركيبة المستثمرين، ومدى اعتمادهم على التمويل بالاقتراض، وقدرتهم على الصمود أمام موجات الهبوط الحادة.
ومع تزايد حضور صناديق التحوط، يبدو أن التحدي المقبل أمام أسواق السندات لن يكون فقط في العثور على مشترين للديون، بل في ضمان ألا يتحول هؤلاء المشترون أنفسهم إلى بائعين جماعيين عندما تتغير ظروف السوق.




