الاقتصادية

سيركيت سيتي من متاجر الإلكترونيات إلى واحدة من أشهر قصص انهيار الشركات الأميركية

لم تكن تجربة شراء جهاز إلكتروني في الولايات المتحدة خلال العقود الماضية مجرد عملية دفع واستلام منتج. بالنسبة إلى كثير من العملاء، كانت زيارة متجر «سيركيت سيتي» تعني الحصول على شرح وتوجيه من موظف يعرف تفاصيل الأجهزة ويستطيع تحويل التكنولوجيا المعقدة إلى خيارات مفهومة.

كان العميل يدخل المتجر متردداً أمام عشرات الأجهزة، بينما يتولى موظف المبيعات مهمة تبسيط الاختيارات وشرح الفروقات، مستفيداً في الوقت نفسه من نظام عمولات يحفزه على إتمام عملية البيع. وهكذا لم تكن الشركة تبيع أجهزة التلفزيون أو مسجلات الفيديو فقط، بل بنت جزءاً كبيراً من نجاحها على العلاقة المباشرة بين موظفيها والعملاء.

لكن هذه الميزة التي ساعدت «سيركيت سيتي» على بناء إمبراطورية في تجارة الإلكترونيات تحولت تدريجياً إلى نقطة ضعف، بعدما اتخذت الإدارة سلسلة من القرارات التي أبعدت الشركة عن عناصر نموذجها الأصلي، في وقت كانت فيه المنافسة تتغير بسرعة مع صعود «بيست باي» ثم التجارة الإلكترونية.

بدأت قصة الشركة عام 1949 في مدينة ريتشموند بولاية فيرجينيا، عندما تأسس متجر التجزئة تحت اسم «واردز». وبعد أكثر من عقدين، تولى آلان وورتزل، نجل المؤسس، قيادة الشركة وأعاد إطلاقها عام 1972 تحت اسم «سيركيت سيتي».

اعتمدت الشركة منذ وقت مبكر على الوصول إلى شريحة واسعة من المستهلكين، بما في ذلك أصحاب الدخل المحدود، من خلال خيارات تقسيط مرنة وعروض توضيحية مجانية في المنازل.

ومع توسع النموذج، تحولت «سيركيت سيتي» إلى واحدة من أبرز سلاسل متاجر الإلكترونيات في الولايات المتحدة، حتى بلغ عدد متاجرها أكثر من 600 متجر، فيما وصل عدد موظفيها إلى نحو 60 ألفاً بحلول عام 2000.

وكان موظفو المبيعات جزءاً أساسياً من هوية الشركة، إذ اشتهروا بارتداء السترات الرياضية، بينما وفر لهم نظام العمولات حافزاً لتقديم المشورة للعملاء وإتمام الصفقات.

بلغت الشركة في تلك المرحلة مستوى من النجاح جعل الخبير الإداري جيم كولينز يخصص لها فصلاً في كتابه «من جيد إلى عظيم» الصادر عام 2001، باعتبارها نموذجاً لشركة استطاعت بناء أداء قوي ومربح.

لكن النجاح السابق لم يكن ضماناً لاستمرار النجاح.

خلال ثمانينيات القرن الماضي، بدأت «بيست باي» في الظهور كمنافس مختلف، مستفيدة من صالات عرض حديثة وأسعار أكثر تنافسية، مع توسعها في بيع ألعاب الفيديو والأقراص المدمجة وغيرها من المنتجات الإلكترونية.

لكن إدارة «سيركيت سيتي» لم تنظر إلى المنافس الجديد باعتباره تهديداً وجودياً في البداية، وظلت مقتنعة بقوة نموذجها الخاص.

ومع حلول عام 2000، بدأت الفجوة تظهر بوضوح أكبر، إذ تجاوزت «بيست باي» منافستها في المبيعات والربحية لكل متجر، رغم أن «سيركيت سيتي» كانت لا تزال تتمتع بمكانة قوية في السوق.

وفي محاولة لإعادة ترتيب أعمال الشركة، اتخذ الرئيس التنفيذي الجديد آلان ماكولو عدداً من القرارات التي كانت تبدو منطقية من منظور خفض التكاليف، لكنها حملت آثاراً أعمق على نموذج الأعمال.

وكان من أبرزها قرار التوقف عام 2001 عن بيع الأجهزة المنزلية الكبيرة، رغم أنها كانت تمثل نحو 15% من أرباح الشركة.

بدت الحجة المالية واضحة: الأجهزة الكبيرة تحتاج إلى مساحات تخزين ونقل مكلفة، والتخلص منها سيوفر مساحة لمنتجات أخرى أكثر مرونة. لكن القرار حرم الشركة في الوقت نفسه من الاستفادة من النمو القوي الذي شهده سوق الإسكان ومبيعات الأجهزة المنزلية خلال تلك الفترة.

كان القرار الأكثر تأثيراً يتعلق بالموظفين أنفسهم.

ففي عام 2003، سرحت «سيركيت سيتي» نحو 4000 من مسؤولي المبيعات ذوي الخبرة والأجور المرتفعة، في محاولة لخفض التكاليف، واستبدلتهم بنحو 2100 موظف يعملون بأجور بالساعة وبتكلفة أقل.

لكن هذه الخطوة لم تكن مجرد تغيير في هيكل الرواتب، بل مسّت أحد أهم مكونات تجربة الشركة.

فالموظفون الجدد لم يمتلكوا بالضرورة مستوى المعرفة نفسه بالمنتجات، كما لم يكن نظام الحوافز لديهم مماثلاً للنظام الذي كان يدفع موظفي المبيعات السابقين إلى إقناع العملاء وتقديم المشورة لهم.

وهكذا بدأت الميزة التي بنت عليها «سيركيت سيتي» سمعتها في التآكل من الداخل.

وفي المفارقة نفسها، بلغت تعويضات الرئيس التنفيذي آنذاك نحو 7 ملايين دولار في العام ذاته الذي شهد تسريح الآلاف من موظفي المبيعات.

وبمرور الوقت، تراجعت الروح التي ميزت الشركة، وتحول موظف المبيعات من عنصر أساسي في تجربة العميل إلى بند يمكن تخفيض تكلفته ضمن حسابات الإدارة.

بينما كانت «سيركيت سيتي» تعيد النظر في موظفيها وتكاليف متاجرها، كانت المنافسة في قطاع الإلكترونيات تتحول إلى مسار مختلف.

واصلت «بيست باي» تطوير نموذج المتاجر والأسعار، في حين بدأت «أمازون» في بناء نموذج تجارة إلكترونية جعل المستهلك قادراً على مقارنة المنتجات والأسعار وشرائها دون زيارة المتجر.

وبذلك لم تعد المنافسة تدور فقط حول موقع المتجر أو مهارة موظف المبيعات، بل أصبحت تشمل السعر والراحة وسرعة الوصول إلى المنتج وتجربة التسوق الرقمية.

وكان على «سيركيت سيتي» أن تعيد بناء نموذجها لمواجهة هذه التحولات، لكنها دخلت تلك المرحلة وهي تعاني بالفعل من تراجع بعض عناصر القوة التي صنعت نجاحها الأول.

بدلاً من توجيه كامل الموارد إلى إعادة بناء النشاط الأساسي، أنفقت الشركة نحو مليار دولار على عمليات إعادة شراء أسهمها بين عامي 2003 و2007، بمتوسط يقارب 20 دولاراً للسهم.

لكن إعادة شراء الأسهم لم توقف تدهور النشاط، ومع نهاية عام 2007 لم تتجاوز قيمة السهم 4.20 دولار، مقارنة بنحو 30 دولاراً في مايو 2006.

ومع تفاقم الضغوط المالية وانحسار السيولة، تقدمت «سيركيت سيتي» في نونبر 2008 بطلب للحماية من الإفلاس.

ولم تقتصر الخسائر على المساهمين. فقد كان لدى موظفي الشركة برنامج يسمح لهم باستثمار ما يصل إلى 10% من رواتبهم في أسهم «سيركيت سيتي»، لتتحول تلك الاستثمارات في النهاية إلى خسائر كبيرة مع انهيار قيمة السهم.

كما انعكس إغلاق المتاجر على المدن التي كانت تعتمد اقتصادياً على وجودها، إذ تركت المساحات التجارية الشاغرة آثاراً امتدت إلى مالكي العقارات والمطاعم والمقاهي والمتاجر المجاورة.

أرجع الرئيس التنفيذي للشركة لاحقاً الانهيار إلى الظروف الاقتصادية الكلية، ولا سيما الأزمة المالية التي ضربت الولايات المتحدة في 2008.

لكن مسار «سيركيت سيتي» كان قد شهد قبل الأزمة المالية سلسلة من القرارات الاستراتيجية التي أثرت في نموذج أعمالها، من التخلي عن بعض المنتجات، إلى خفض عدد الموظفين ذوي الخبرة، وصولاً إلى عدم مواكبة التحول السريع في طريقة شراء المستهلكين للإلكترونيات.

وفي النهاية، لم يكن سقوط الشركة مرتبطاً بعامل واحد، بل بتراكم قرارات أعادت تعريف الأولويات داخلها، بينما كانت السوق نفسها تتغير.

القصة الأكثر دلالة في تجربة «سيركيت سيتي» أن الشركة لم تفقد قدرتها على البيع في يوم واحد؛ بل تآكلت تدريجياً العناصر التي جعلت العملاء يثقون بها.

وهكذا تحولت الشركة التي كانت مثالاً على الإدارة الناجحة في كتاب «من جيد إلى عظيم» إلى حالة دراسية حول كيفية سقوط الشركات الكبيرة عندما تتغير السوق أسرع من قدرتها على التكيف.

وفي مارس 2009، أُغلقت متاجر «سيركيت سيتي» الأخيرة، لتنتهي بذلك رحلة استمرت نحو ستة عقود.

لم يكن إطفاء أنوار تلك المتاجر مجرد نهاية لسلسلة تجزئة، بل نهاية لنموذج كامل كان يقوم على فكرة بسيطة: أن العميل الذي يدخل المتجر لا يحتاج إلى منتج فقط، وإنما يحتاج أيضاً إلى شخص يشرح له لماذا يشتريه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى