اقتصاد المغربالأخبار

خلف بريق الشاشات.. كيف يواجه الشباب المغربي ضغط النجاح السريع وفخ المقارنات؟

أصبح العالم الرقمي خلال السنوات الأخيرة أحد أبرز العوامل المؤثرة في طريقة تفكير المغاربة ونمط حياتهم، بعدما تحولت مواقع التواصل الاجتماعي من مجرد فضاءات للتواصل والترفيه إلى منصات تصنع التوجهات وتؤثر في القيم والمعايير الاجتماعية، وعلى رأسها مفهوم النجاح ومقومات تحقيقه.

فمع الانتشار الواسع لهذه المنصات، لم يعد النجاح يُقاس دائما بالمسار الدراسي أو التطور المهني أو حجم الإنجازات الواقعية، بل بات مرتبطا في كثير من الأحيان بدرجات الحضور الرقمي، وعدد المتابعين، ونسب المشاهدة والتفاعل، ما أدى إلى بروز معايير جديدة تعيد تشكيل نظرة المجتمع إلى التفوق والتميز.

وتكشف المعطيات الحديثة حجم التحول الذي يعرفه المغرب في هذا المجال، إذ تشير بيانات مؤسسة “ستيتغلوب ريسورش” الخاصة بسلوكيات المستخدمين واتجاهات التسويق الرقمي لسنة 2026، إلى أن عدد مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي في المملكة يناهز 23 مليون شخص، بمعدل استعمال يومي يصل إلى حوالي ساعتين و45 دقيقة.

وتظل فئة الشباب، خصوصا الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و34 سنة، الأكثر حضورا داخل هذا الفضاء الرقمي، حيث تمثل حوالي 62 في المائة من مجموع المستخدمين، ما يجعلها الفئة الأكثر تعرضا للتأثيرات المرتبطة بالمحتوى الرقمي والنماذج الاجتماعية التي يتم الترويج لها عبر هذه المنصات.

مع توسع تأثير مواقع التواصل، ظهر تحول واضح في طريقة تعريف النجاح داخل المجتمع. فبعدما كان النجاح يرتبط غالبا بالتعلم، والعمل المستمر، وبناء الخبرة وتحقيق نتائج ملموسة، أصبح لدى شريحة من المستخدمين مرتبطا بمدى قدرة الشخص على جذب الانتباه وتحقيق الانتشار.

وأصبحت صور الحياة الفاخرة، الرحلات المتكررة، المشاريع الناجحة، والمظاهر الاستهلاكية العالية، تشكل لدى البعض رموزا للنجاح، حتى في الحالات التي لا تعكس فيها هذه الصور الواقع الكامل للأشخاص الذين يقفون خلفها.

ويرى متابعون للشأن الاجتماعي أن أحد أكبر التحولات التي أحدثتها المنصات الرقمية يتمثل في انتقال المجتمع من تقييم الأفراد بناء على ما ينجزونه فعليا، إلى تقييمهم أحيانا بناء على مدى ظهورهم وتأثيرهم الافتراضي.

هذا الوضع ساهم في انتشار مفهوم “الشهرة كهدف”، حيث أصبح تحقيق عدد كبير من المتابعين أو الانتشار الواسع على الإنترنت يمنح صاحبه نوعا من الاعتراف الاجتماعي، حتى وإن كان هذا الحضور الرقمي لا يستند دائما إلى معرفة أو خبرة أو مساهمة حقيقية.

من بين أبرز الانتقادات الموجهة إلى مواقع التواصل الاجتماعي أنها تقدم نسخة منتقاة من حياة المستخدمين، إذ يختار أغلب الأشخاص مشاركة لحظات النجاح والسعادة والرفاهية، بينما تبقى مراحل الفشل والصعوبات والتحديات بعيدة عن أعين المتابعين.

هذه الانتقائية قد تجعل العديد من الأشخاص، خصوصا الشباب، يشعرون بأنهم متأخرون عن الآخرين أو أنهم لا يحققون ما يكفي من النجاح، بسبب مقارنة حياتهم اليومية العادية بصور مثالية يتم إعدادها بعناية.

Étude : les jeunes Marocains disent "préférer" Instagram malgré les  meilleurs chiffres de TikTok - Médias24 - Numéro un de l'information  économique marocaine

وفي هذا السياق، يؤكد الباحث في علم الاجتماع هشام بوقشوش أن التحول الرقمي ساهم في إعادة تشكيل المعايير الاجتماعية المرتبطة بالنجاح، موضحا أن المكانة الاجتماعية كانت في السابق تُبنى بشكل أساسي على التعليم والعمل والتجربة، بينما أصبحت اليوم مرتبطة بدرجة أكبر بالقدرة على الظهور وتحقيق التفاعل.

وأضاف أن المنصات الرقمية خلقت نوعا جديدا من التقييم يقوم على “اقتصاد الانتباه”، حيث يحصل الأشخاص القادرون على جذب الجمهور على حضور أكبر، حتى لو لم يكونوا بالضرورة الأكثر كفاءة أو تأثيرا في الواقع.

وتزداد تداعيات هذا التحول لدى فئة الشباب، التي تجد نفسها أمام سيل مستمر من المحتويات التي تعرض أنماطا معيشية مرتفعة وأحيانا غير واقعية، وهو ما قد يؤدي إلى الإحساس بالإحباط أو عدم الرضا عن الذات.

كما أن انتشار خطاب “النجاح السريع” عبر بعض المنصات عزز فكرة إمكانية تحقيق الثروة أو الشهرة في وقت قصير، متجاهلا أن معظم النجاحات الحقيقية تحتاج إلى سنوات من التعلم والتجربة وتجاوز الإخفاقات.

ويحذر خبراء من أن هذا النوع من المحتوى قد يدفع بعض الأشخاص إلى اتخاذ قرارات متسرعة، سواء عبر البحث عن الشهرة بأي طريقة، أو تبني أنماط استهلاكية تفوق إمكانياتهم بهدف الحفاظ على صورة اجتماعية معينة أمام الآخرين.

ورغم هذه الانتقادات، لا ينظر الخبراء إلى مواقع التواصل باعتبارها ظاهرة سلبية بالكامل، إذ أصبحت هذه المنصات أيضا أدوات مهمة للتعلم والتكوين وبناء المشاريع، ووفرت للشباب فرصا جديدة للتعبير عن أفكارهم وتسويق أعمالهم والوصول إلى أسواق لم تكن متاحة سابقا.

Réseaux sociaux : Le Maroc devra-t-il interdire l'accès aux mineurs ? |  L'Opinion

فالكثير من الشباب المغاربة استطاعوا عبر هذه الفضاءات تطوير مهاراتهم، بناء علامات شخصية، وإطلاق مشاريع في مجالات مختلفة، من التكنولوجيا وصناعة المحتوى إلى التجارة الإلكترونية والعمل الحر.

ويرى بوقشوش أن الإشكال لا يكمن في استخدام المنصات الرقمية بحد ذاته، وإنما في طريقة التعامل معها، مؤكدا أن المطلوب هو امتلاك وعي نقدي يسمح بتمييز المحتوى المفيد عن الصور الوهمية، وفهم أن ما يظهر على الشاشة لا يمثل دائما الحقيقة كاملة.

كما يشير إلى أن الخوارزميات الرقمية لا تروج بالضرورة للمحتوى الأكثر قيمة، بل غالبا ما تمنح الأولوية للمحتويات الأكثر قدرة على جذب الانتباه وتحقيق التفاعل، وهو ما يجعل المستخدم مطالبا بوعي أكبر بما يتابعه وبالأثر الذي يتركه ذلك على نظرته إلى النجاح والحياة.

وفي نهاية المطاف، يبقى النجاح الحقيقي أكبر من رقم على شاشة أو عدد من المتابعين، فهو مسار يقوم على المعرفة والتطور المستمر وتحقيق أهداف واقعية تترك أثرا ملموسا في حياة الفرد والمجتمع.

وبينما يواصل المغرب توسعه الرقمي واتساع قاعدة مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي، يبقى التحدي الأكبر هو تحويل هذه المنصات من فضاءات لصناعة المقارنات الوهمية إلى أدوات للابتكار والتعلم وخلق الفرص، بما يحقق توازنا بين الحضور الرقمي والإنجاز الواقعي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى