المغرب يرسّخ موقعه كوجهة صاعدة للاستثمارات الخضراء في المنطقة

في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها الاقتصاد العالمي وإعادة تشكيل خرائط الاستثمار المرتبطة بالتحول الطاقي، يبرز المغرب كأحد أبرز المرشحين لتعزيز جاذبيته في مجال الاستثمارات الخضراء بمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وفق ما كشفه تقرير حديث صادر عن معهد السياسات المستدامة التابع لـOMFIF.
ويشير التقرير إلى أن المملكة لم تعد تُقدَّم فقط كاقتصاد ناشئ في مجال الطاقات النظيفة، بل كنموذج يجمع بين الانفتاح التجاري والتنافسية الصناعية، في مقاربة تختلف عن نماذج أخرى في المنطقة التي تعتمد بدرجة أكبر على الإنفاق العمومي الواسع لتمويل مشاريع التحول البيئي.
وبحسب التحليل، فإن حالة عدم اليقين التي باتت تطبع مستقبل الاستثمارات المناخية طويلة الأجل، خصوصاً في الولايات المتحدة، تدفع رؤوس الأموال العالمية إلى إعادة توجيه بوصلتها نحو أسواق أكثر استقراراً ووضوحاً على مستوى السياسات الاقتصادية والمناخية، وهو ما يمنح منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا فرصة جديدة لاستقطاب جزء مهم من هذه التدفقات، مع بروز المغرب كأحد أكثر الاقتصادات جاهزية لاقتناص هذه الفرصة.
ويبرز التقرير أن بيئة الاستثمار في المنطقة لا يمكن التعامل معها ككتلة واحدة، نظراً للتفاوت الكبير في القدرات المالية ومستويات الحوكمة والجاهزية المؤسسية بين الدول.
غير أن المرحلة المقبلة، وفق نفس المصدر، ستُكافئ الاقتصادات التي تجمع بين موارد طاقية متجددة وفيرة، ورؤية صناعية واضحة، وانفتاح على التجارة العالمية، إلى جانب استقرار السياسات العمومية، وهي شروط يرى التقرير أن المغرب تمكن من تعزيز جزء معتبر منها خلال السنوات الأخيرة.
وفي سياق أوسع، يلفت التحليل إلى أن التحول المناخي لم يعد مجرد قضية بيئية أو التزام أخلاقي، بل أصبح عاملاً حاسماً في إعادة تشكيل التنافسية الاقتصادية العالمية، بالنظر إلى تأثيره المباشر على سلاسل الإمداد، والأمن الغذائي، واستقرار الخدمات اللوجستية. هذا التحول يجعل قدرة الدول على التكيف مع متطلبات الاقتصاد الأخضر معياراً أساسياً في قرارات الاستثمار الدولية.
كما يحذر التقرير من أن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تُعد من أكثر المناطق تأثراً بندرة المياه عالمياً، وهو ما يضاعف من هشاشة أنظمتها الإنتاجية والغذائية.
ورغم أن التجارة الدولية تساهم في التخفيف من هذه الضغوط عبر ضمان تدفق الواردات، إلا أنها في المقابل تزيد من تعرض هذه الاقتصادات لتقلبات سلاسل التوريد والأزمات الجيوسياسية، خاصة تلك المرتبطة بالممرات البحرية الحيوية وأسواق الطاقة.
وفي هذا الإطار، يشير التقرير إلى أن التوترات التي عرفها كل من البحر الأحمر وقناة السويس، إضافة إلى المخاطر المرتبطة بمضيق هرمز، كشفت بوضوح حجم الاعتماد العالمي على ممرات تجارية حساسة، وأبرزت في الوقت نفسه أهمية الدول التي تمتلك اقتصاداً مرناً قادراً على امتصاص الصدمات الخارجية، وهو ما يرفع من جاذبية بعض الاقتصادات الصاعدة.
ويرى التقرير أن المغرب استطاع في هذا السياق تحويل موقعه الجغرافي وتحدياته التنموية إلى فرصة استراتيجية، من خلال تعزيز اندماجه في سلاسل القيمة الصناعية العالمية، وتطوير بنيات تحتية لوجستية وصناعية متقدمة، إلى جانب التوجه المتسارع نحو الطاقات المتجددة ومشاريع الهيدروجين الأخضر، بما يعزز موقعه كمنصة إنتاج وتصدير منخفضة الانبعاثات.
كما يشير إلى أن العلاقة الاقتصادية المتينة بين المغرب وEuropean Union تمنحه ميزة تنافسية إضافية، خاصة في ظل تشديد المعايير البيئية الأوروبية واعتماد آليات تنظيمية جديدة مثل آلية تعديل حدود الكربون (CBAM). هذه التحولات تجعل الانتقال نحو الطاقة النظيفة ليس خياراً بيئياً فقط، بل شرطاً اقتصادياً ضرورياً للنفاذ إلى الأسواق الأوروبية.
وفي هذا السياق، يواصل المغرب توسيع استثماراته في مشاريع الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر، في إطار استراتيجية تهدف إلى تعزيز موقعه في الاقتصاد منخفض الكربون.
وقد أشار التقرير إلى مصادقة المملكة في مارس 2025 على مشاريع استثمارية في قطاع الهيدروجين الأخضر تُقدّر قيمتها بنحو 32.5 مليار دولار، في خطوة تعكس طموحاً واضحاً للتموقع ضمن الدول الرائدة في هذا المجال.
وعند مقارنة التجربة المغربية بنماذج أخرى في المنطقة، خاصة دول الخليج، يوضح التقرير أن المغرب يعتمد بدرجة أكبر على مزايا الموقع الجغرافي، والانفتاح التجاري، والاندماج الصناعي العالمي، في حين ترتكز التجارب الخليجية بشكل أساسي على الوفرة المالية والاستثمارات السيادية الضخمة، ما يمنح كل نموذج مساراً مختلفاً في بناء اقتصاده الأخضر.
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، يؤكد التقرير أن التحدي الأساسي أمام المغرب يتمثل في الانتقال من مرحلة التخطيط والإعلان إلى مرحلة التنفيذ الفعلي، عبر تسريع إنجاز البنيات التحتية، وتحديث الشبكات الطاقية، وتأهيل المناطق الصناعية، إضافة إلى دعم المقاولات الصغرى والمتوسطة حتى تتمكن من التكيف مع متطلبات التمويل والمعايير البيئية الجديدة.
ويخلص معهد السياسات المستدامة التابع لـOMFIF إلى أن المغرب يوجد ضمن قائمة محدودة من الاقتصادات الإقليمية التي نجحت في تحويل الضغوط المناخية والتجارية إلى فرصة لإعادة التموضع الاستراتيجي، معتبراً أن المرحلة المقبلة ستُحدَّد وفق قدرة الدول على ترجمة طموحاتها البيئية إلى مشاريع صناعية واقعية، وهو ما يضع المغرب في موقع متقدم داخل هذا التحول العالمي.




