اقتصاد المغرب

التحول البيئي يفرض قواعد جديدة على صناعة السيارات بالمغرب

لم تعد المتطلبات البيئية مجرد التزام تنظيمي بالنسبة لصناعة السيارات بالمغرب، بل تحولت إلى عامل حاسم في قدرة الشركات المحلية على الاستمرار داخل سلاسل القيمة العالمية، خصوصاً مع تشدد المصنعين الدوليين في شروط الاستدامة والأداء البيئي المفروضة على الموردين.

هذا ما خلصت إليه دراسة بحثية حديثة أنجزها أطر وأكاديميون من المدرسة الوطنية للتجارة والتسيير بالقنيطرة التابعة لجامعة ابن طفيل، ركزت على كيفية انتقال المعايير البيئية الدولية من مستوى الالتزام النظري إلى ممارسات فعلية داخل المصانع المغربية، مع تسليط الضوء على منظومة صناعة السيارات بقطب طنجة، إلى جانب القنيطرة والدار البيضاء.

الدراسة، التي نشرت في المجلة الدولية للمحاسبة والمالية والتدقيق والتدبير والاقتصاد، ناقشت بشكل أساسي قدرة الموردين المحليين على الاستجابة للمتطلبات البيئية التي تضعها المجموعات العالمية لصناعة السيارات، في ظل تفاوت الإمكانات التقنية والمالية واللوجستية بين الشركات.

واعتمد الباحثون على مقاربة ميدانية استندت إلى مقابلات مع مسؤولين وأطر مكلفين بملفات البيئة والجودة والإنتاج وسلاسل التوريد.

وشملت العينة ستة مشاركين ينتمون إلى منظومة صناعة السيارات بطنجة، بينهم ممثلون عن موقع لتجميع السيارات وموردون من الدرجتين الأولى والثانية، إضافة إلى أطر صناعية في كل من القنيطرة والدار البيضاء.

وأظهرت نتائج الدراسة أن اندماج صناعة السيارات المغربية في سلاسل القيمة العالمية جعل احترام المعايير البيئية جزءاً أساسياً من شروط استمرار العلاقات التجارية مع كبار المصنعين الدوليين، ولم يعد مجرد خيار يمكن للشركات التعامل معه بشكل ثانوي.

وبحسب خلاصات البحث، تمر عملية تحويل المتطلبات البيئية الدولية إلى ممارسات داخل المصانع عبر أربع مراحل مترابطة.

تبدأ المرحلة الأولى بما أطلق عليه الباحثون «قدرة الواجهة»، أي قدرة الشركة على فهم المتطلبات التي تفرضها المجموعات الدولية وترجمتها إلى التزامات عملية ومحددة.

بعد ذلك تأتي مرحلة «التكيف العملي»، حيث تعمل الشركات على إيجاد طرق لتنفيذ تلك الالتزامات بما يتناسب مع إمكاناتها ومواردها المتاحة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الأهداف البيئية المطلوبة.

أما المرحلة الثالثة فتتمثل في «الإدماج الإجرائي»، والتي تنتقل خلالها الممارسات البيئية من حلول ظرفية إلى إجراءات مكتوبة وأنظمة تدبير موثقة وقابلة للتتبع داخل المؤسسة.

وتصل العملية في مرحلتها الأخيرة إلى «الترسيخ الاستراتيجي»، عندما يصبح الأداء البيئي جزءاً من عملية اتخاذ القرار داخل المصنع، بما يشمل قرارات الاستثمار وتكاليف الإنتاج وتقييم الأداء الصناعي العام.

وسجلت الدراسة وجود اختلافات كبيرة في مستوى استعداد الفاعلين الصناعيين وقدرتهم على مأسسة الالتزامات البيئية.

فالشركات المصنعة وموردو الدرجة الأولى في قطب طنجة أظهروا قدرة أكبر على تحويل المتطلبات البيئية إلى أنظمة مؤسساتية وإدماجها في هياكل القرار الإداري، مستفيدين من إمكانات تقنية وتنظيمية ومالية أكثر تطوراً.

في المقابل، يواجه موردو الدرجتين الثانية والثالثة تحديات أكبر، حيث يعتمد جزء منهم على التنسيق غير الرسمي والحلول المؤقتة للتكيف مع المتطلبات الجديدة، وهو ما يرتبط أساساً بمحدودية الموارد والإمكانات الذاتية المتاحة لهذه المقاولات.

ويكشف هذا التفاوت عن إحدى أبرز نقاط الضعف المحتملة في سلسلة القيمة الصناعية، إذ إن رفع مستوى الأداء البيئي لدى الشركات الكبرى لا يضمن بالضرورة تحقيق النتيجة نفسها لدى مختلف حلقات شبكة الموردين.

وفي ضوء هذه النتائج، أوصت الدراسة بتعزيز آليات المواكبة الموجهة إلى الموردين المحليين، خصوصاً المقاولات الصغرى والمتوسطة، من خلال توفير الدعم التقني وبرامج التكوين والمساعدة على بناء أنظمة فعالة للتتبع والتدبير البيئي.

وأكد الباحثون أن نجاح التحول البيئي في صناعة السيارات المغربية لا ينبغي أن يقاس فقط بعدد الشهادات البيئية التي تحصل عليها الشركات، وإنما بمدى قدرتها الفعلية على تحويل المتطلبات الدولية إلى ممارسات مستقرة ومؤسساتية، مدعومة باستثمارات قادرة على ضمان استمراريتها.

وتشير خلاصات الدراسة بذلك إلى أن التحدي المقبل أمام صناعة السيارات المغربية لا يرتبط فقط بالحفاظ على موقعها داخل سلاسل القيمة العالمية، بل أيضاً بقدرتها على بناء منظومة صناعية أكثر استدامة تشمل مختلف مستويات الموردين، من الشركات الكبرى إلى المقاولات الصغرى والمتوسطة.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى